loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

"أدخل بيتي مثل لص" جدلُ التوصيف، وتوصيف الجدل

breakLine
361 2021-10-06

 


هاشم شلولة / شاعر و ناقد فلسطيني

لا صوت يعلو فوق صوت الخفّة، ربما تعتبر هذه الجملة وصفًا واجبا ومتناهي الدقة للغة علي الدقيقة الخفيفة الثقيلة والمُختزلة والانسيابية في آن واحد؛ للدخول إلى عالم كعالم الياسري المُحتَقِن بقدر انسيابيته. يُشكّل نص علي قفزة ليست مجنونة بقدر عاديتها إذا ما قورنت بقوة لغتة وانسحابه المُضاد من الواقع. يفتتحُ الشاعر مجموعته ب: "كثيرًا من اللصوص/ بكوا أثناء الصلاة/ لكن واحدًا فقط/ سيبكي أثناء السرقة." بهذه المقطوعة كانت افتتاحية المجموعة، لا أدري إن كان يقصد علي أن يُناثِرَ انتباه القارئ في لحظة، وفي ذات اللحظة يريد أن يجمعه بشهادة الذهول الارتعاشي غير المحتمَل والمحسوب حسابه من قبل القارئ بكافّة أوجهه والحاضر كإيقاعٍ مشاعريٍّ مُراقِب، يُشاهد هذا الإيقاع صاحبَه عن كثبٍ القارئ فعلى مدار كل خلفياتنا كقرّاء أولًا للأدب العربي بمختلف أشكاله، لا أعتقد أننا صادفنا مثل هذا المجون الساخط الخفيف الذي يحبه المُذهَل بالنص؛ لأن القارئ يتثاقَل من المجون لسبب أنه يخشى إشغال، وتشغيل المدارك الرابطة معنويا لضرورة الحضارة والعصرية، فمثل هذه السهولة الصعبة نادرة جدًّا، وتكاد تكون غير موجودة.

إذن؛ لغة علي هجمت على قارئها هجومًا ناعمًا، وتأبَّطَت عقلَه النقدي ساحبةً إيّاه من أساريره ليُكمل مراقبة اللصوصية الشاعرية الأخلاقية التي تُبَشِّر بفصلٍ فني ملحمي، يهزُّ جسد التفكُّر لدى القارئ العربي بمُجمَل أشكاله مع التحفُظ على حاجة نص علي لقارئ مثقَّف مُحلِّل، ويستطيع التقاط مرامي الشاعر العمياء بتَبَصُّر، وليست الضالة؛ فالنص المُهيب كهذا هو مجموعة نصوص في نص، ومجموعة فلسفات في فلسفة واحد، ومجموعة معاني في معنى واحد...


استطاع علي أن يجمع بين هموم عراقه الخاص، وبين ذاته كشاعر أحيانًا، وثائر ومُخلِّص في أخرى، وأخرى واحدًا يُعالِج مشاعره، ويقولِب نفسه في نفسه باحثًا عن اتضاحٍ ليس فريدًا بقدر ما تقتحم هذا الاتضاح الفرادةُ التلقائية وغير الموجودة في الأدب العربي كاملًا، رغم أنه يوجد الكثير ممن يحاولون الوصول إلى قمة الياسري التي بناها لنفسه، وأحاطها بسُوريّنِ من اللغة والشاعرية المحفوفة بشعريةٍ لها إيقاعها الذي أسسه هو أيضا بنفسه في قصيدته. إذن؛ الياسري فلسف وبنى وهدم وأعاد البناء وعاش فيما بنى واستقر ومات وبُعِث... لكنّي وهو لا نعرف هل وجد قيامةً أم لا!. "ياه" ما أبهرني بك يا عليّ وما أقسى سحرك!. وقد أكثَر عليٌّ من قول "ياه" أثناء دخوله بيته بلصوصيته النضالية والمُنتفِضة الخفيفة، فقال في عدة مواضع مثل قصيدة "عائلةٌ لا يراها أحد" نحو: " ياه/ إنّها صاروخ/ إنّها كلمة حق/ يا لها من امرأة." وفي نفس القصيدة: "ياه/ قلّمنا أظافر امرأةٍ تخون، ونسينا الأشجار." هذه التنهيدات اللفظية منحَت نص الياسري ذاته كشاعر وربما كإنسان قمّة في انتشال تعابيره، وأوضحَت ملكيَّته توضيحًا حادًّا كما ثبَّتَتْ في توقيع الشاعر المعنوي عراقيّةَ الصفة، وصِفة العراق، أكَّدت بدهشة أن هذا الطين الذي نحتَ تلك الجمل هو طين علي الياسري نفسه بتنهيداته، بغمزات مجازه، بتنوينه وحواسه وضماته وكسراته وفتحاته... ياه، إنها كلمة حق، يا لك من شاعرٍ، تراك اللغةُ العاليةُ الساميةُ بوضوحٍ، والتي لغير هذا العصر لكنّها فيه، وأكاد أجزم فنتازيًّا لو كان الشاعر في العصر الفكتوري لاحتلَّ مكان روبرت براونينغ احتلالًا حرًّا، ودون بذل مجهود. نعم وبالتأكيد كان عليٌّ فكتوريًّا محضًا، ومُخالفًا لشرائع الحداثة، وفي ذات اللحظة لم يُخالفها، ولم يتملّص من واجباتها مع نحتِ وجهه كشاعر. آه صحيح، علي لا يشبه أحد، ولا أحد يشبهه، ومقارنته ببراونينع كانت من حيث المكانة وتلقائية السيادة والنفاذ والمشهد الخلّاق، وليس المحتوى.


رغم أن قول الياسري واحدا جامعًا شاملًا مشمولًا... لكنّ المرأة كانت واضحة واحدة غامضة شاملة مشمولة أيضًا على مستوى مجموعة الياسري، من أولها للنهاية قولًا وصورةً وميلًا... "امرأةٌ جميلةٌ، رأيتها/ تفزُّ/ من نومتها/ حالمةً/ في الحلم." هل حدث قبل ذلك ورأيتم مجنونًا يسجّل في قصيدته حُلُمًا لامرأةٍ في حلم؟ هل رأيتم ذات الانصهار في عنصر من عناصر الطبيعة كالمرأة مثلًا؟.

لطالما مثلّت المرأة مشروعًا مهمًا وحاضرًا في المحتوى الشعري العربي حديثًا وقديمًا، ولكن كان لها قاعدة واحدة مملة ورتيبة، لا تخرج من إطارها المادي الملموس، ولكنّها عند علي بدَت وكأنّها نجمةٌ مُتألّقة في مكانٍ بعيد من السماء، والوصول إليها صعب، أعاد الياسري للمرأة روحيتها التي سلبها شعراء الميكرفون العرب الذين حصدوا شهرةً واسعة على حساب جسد المرأة، وغذّوا مخيّلة الجوعى للشهوة. عليّ في مجموعته صان قيمتها، وجعل منها شاهقة حتى على حين جسدها وتجسيده، أمثلها بصيغةٍ كانطية محفوفة بنقاء بيئة علي، ومدى نظافة تعبئته الفكرية حول المرأة، جعل منها وردةً تُشَم، وليست قطعةً من اللحم تُلتَهَم، وكلّما حاولت بشريته أن تُشبِّهه بغيره من الشعراء؛ كان يردُّ نفسَه؛ مثل موضع: "قبلة في الفم/ في الكلام الأليم" طبيعة علي لا تستطيع أن تشبه العادية الشهوانية رغم أنّه بشر، وله الحق في ذلك، لا تقوى على الانفلات من شكلها، وربما مضمونها، لهذا؛ عليٌّ كان عليّ، وأنا شخصيًا حاولتُ جعل جماحي خاضعًا لثقافة عليّ نحو المرأة لشدة ذهولي بعلاقته بها، ومن خلال هذه الثقافة أهذّبه، فمن وجد عليه بالجَد، وقد علَّمَني نص علي ذلك.

في قصيدة "حبل غسيل" يقول: "امرأةٌ تجرُّ بياضًا وأنا خلفها واقفًا تركضُ في الأقلام/ ما يدعو للكتابة ليس الحضور أو الغياب/ بل ذلك التيه اللذيذ بينهما/ ذلك شعرٌ أبيض تجرُّهُ امرأةٌ وأنا خلفها/ أسأل:/ هذه الروح." استخدامه لأجزاء جسد المرأة كان استخدامًا مريحًا وباعثًا وتلامسيًّا توظيفيًا خالصًا، ولا خشية فيه، استخدم النهد والحلمة وأصابع اليد، لكنّه لم يوظّفُها كما وظَّفَها مَن قَبله، فهو لم يرصد علاقته بالحلمة أو النهد، بل وصف مضمون الشكل وشكل المضمون لأجل إظهار الشعرية ورمزيتها، وليس إظهار اختلاجات الوعي الذكورية ناحية المرأة كما حدث ويحدث على مدار تاريخ حضور المرأة في الأدب العربي عمومًا والشعر خصوصا، ويتمثل ذلك في مقطوعته هذه من نص "ليلة حمراء برعاية دعبل الخزاعي" يقول: "والآن/ على نهدكِ/ في أصابع يدكِ/ في حلمتك السهرانة أبدًا/ أتراني سألقى امرأةً/ لو التفتُّ عنها/ لا أرى أحدًا"

مشفوعٌ هذا الشاعر له لو قتل المرأة في نصّه؛ لاعتبرتُ ذلك صلاة، فمن يمنحُ الروح والقيمة والثِقَل فيما يقول، يمنحُ الحياة، ويحوِّل الموتَ صلاةً. آه يا عليّ!. قال هكذا وقد وشوش نصُّه لعيوني أنَّه فعلَ هكذا، فالنصوص هي نبوءةِ وما هو عن كاتبها. ولنُجمِلَ هذا الصمت الكلامي المقاتل فيما يتصل بالمرأة في عوالِم الشاعر المؤدَّب حتى في نصّه علي الياسريّ، يقول: "ماذا لو جمعنا أسلحةَ العالم/ مررناها بين يديكِ/ ربما/ تموت/ من الحب". تلك قصيدةٌ كاملةٌ اسمها "بنت الجيران". استفزني عليٌّ هنا، وأثار فيَّ فكرةَ أن الإنسان قد يكون صالحًا في خيالاته، فما أعرفه، وعرَّفَتني التجربةُ إيّاه أن الخيال يصنع من صاحبه شيطانًا، وتلك القاعدة هشَّمَها عليّ، والمريب أكثر؛ أنَّ عليًّا قتلَ قاتلَ الحُبِّ بالحب، وقد وضع ال "ربما" ليتخلّص من مسؤوليته عن تنظيم المشهد، فهو يحب أن يكون خفيفًا مُلامِسًا لمطالِع الأشياء والصور مع ممكن قدرته الثابت على الحفر عميقًا ذلك اللص الخفيف، هل من خالقٍ كعليّ الشاعر خلّاق وبنّاء ومقاتل في ذات الآونة؟.


وحدةُ عليّ، شهيّته، معاناته من الحب والتي تثور على المعاناة، ارتجالاته، ارتعاشاته، تقلُّصُه وتمدُّدُه الواضحان سويًّا بفعل المرأة، المرأة بذاتها والمرأة العاشقة، والمرأة الحالمة والمرأة الشريرة والخيّرة... كلّ ذلك كان فاردًا نفسه في براح نص علي الذي بنى حوله أسوارًا وجدانية بنفسه أيضًا، حيث لا أحد.. لا أحد يستطيع فعل ذلك، تفرَّد عليّ به، وتولى مسؤوليته، وحمل الفردانية؛ منطلِقًا بها نحو عوالمٍ شعرية شاعرية شرسة، والتباسية مسكونة بالضلالة التي ترشد الضال، وتُريحُ الباحثَ عن الراحة... وبعد تلك الملحمية الفائرة المنبلجةِ من صبحٍ احتشدَت فيه صفات الليل، وكأنَّ عليّ يقف قائلًا فلتهدؤوا أنا لستُ مالارميه ولا بودلير ولا رامبو... رغم أنّه قد يوازيهم وفي معتركاتٍ أخرى يتفوّق عليهم ويُحطِّم المُقدَّس والمُبهِر، كأنه يسخر قائلًا؛ أنا عليُّ الملتفِتُ لتفاصيل بسيطة من هذا العصر؛ خاتمًا قصيدة "وحيدان" قائلًا: "سيعشقُ المدخِّنُ امرأةً تكرهُ السجائر/ من أجل ذلك، كان الحب". إحدى ابتسامات حدس عليّ، وإشارته للجيل بأنّه واحدًا منهم رغم تساميه وصناعته الفرقَ الشاسع والكبير والخالص والمتمايز والبارز.


تلك قصيدةٌ كاملة أيضًا تحمل عنوان: "أمر جلل"، يقول فيها: "يا له من أمرٍ جلل/ نمتُ كلّ هذه الليالي في غرفةٍ تجاورُ المطبخ/ السكينُ التي أقنعَتْ يدَ أمي/ ستقنع يومًا/ رقبتي". أوف! هذا جاء بعد قفلة قصيدة "جديلة فضية" والتي هي: "سمعتُ/ ثمن الكنز.. أنه ضاع". صحيحٌ ذلك ومُقلِق، وما قِيل طبيعيّ تمامًا، ولكن غير الطبيعي، هو القدرة المجازية الموجودة عند هذا العليّ الرافدي، يد أمه ورقبته، والمُشترَك القانع سكينٌ واحدة، وهنا يحدث مشهدًا يشبه التقاء الجبال، وهو التقاء السكاكين، هذا اللقاء الحار والنحروري المشتعل في ذاته ولذاته لفكرة حاجة الإنسان لصياغة الموت بطريقته وتحت إرادته، وبالتفصيل الذي يراه مناسبا، وهذا ما خلقه الشاعر كشاعر وكإنسان وخلّاق هنا. عليّ كان ناقدا ومنتقِدا، ومصححًا ومختارًا لعوالمه خيِّرًا وصانعًا وحاكما ودكتاتوريا أخلاقيًّا لنفسه وقوله وصورته الشعرية البديعة والمُحكَمة. كانت القصيدتان بتتاليهما دُفعةٌ كثيفة واختزالية من فكرةٍ لا أجرؤ على فكفكتها، لكنّي استمتعت وذُهِلت وخُطِفَ وجداني وأي قدرة على الثبات فيّ بهما.


الشاعر الذي رصد الإنسان بكامل خساراته، وتوجُّساته وهواجسه، وعشقه، وهزائمه، وانتصاراته، وملاحقاته، وعزاءاته، وأعراسه، ومآتمه، وملاذاته، وملاجئه، وانسحاقاته، وطفوه، وغرقه، وعرقه، وارتحالاته، وارتجالاته، وأحلامه، واخفاقاته، وتكوّره، وارتياباته، وتفاصيله، وكل ما من شأنه الدلالة عليه... كان علي، كان العاشق والميت والحي والمُشيّع والجنازة والمؤبِّن والمؤبَّن، وقد حدث ذلك في كل قصائد هذا اللص الممتع والماتع والمرهَق المرهِق الثقيل الخفيف... قيلولة/ عش الزوجية/ عزاء رجل خسران/ آلة غريبة/ في الخمسين/ حرفة الساقي... كلّها أسماءٌ لقصائد كتبها هذا المجنون هادئ الجنون والطباع والحاضر بخفّة، سجّل في قصائده الإنسان ومراحليته ومرئيته واكتماله ونقصه وقصائديته، بنى روما أخرى، وأقام عرسًا كما أقام مأتمًا. بهذا، بل؛ بكُلِّ هذا تكون حرفة الشاعر ومهمّته الخلّاقة والمبدعة الإبداعية المبهمة الواضحة، ومفتوحة الاحتمالات على مصراعيّها ومختلف مساراتها وارتباطاتها وكياناتها وكيانيتها وكيونتها. كان عليٌّ المصوِّرَ والمصوَّر والصورةَ والكاميرا... ومن مفارقاته غير المألوفة، أو التي لا تنشابه مع الآخرين أنّه كتب لرولان بارت، رولان بارت الذي يقتل الشاعر لتحيا القصيدة، وهذه أهم ركيزة بنائية في الحكم على عليّ كشاعر محض، ولا يهمّه سوى تبديد وتمثيل وبلورة هذه الشاعرية المُحكَمة والمُحكَّمة في إثبات نصّه، وليس نفسه، وهذا نقيض ما هو منتشر في الوسط الأدبي العالمي والشعري السائد؛ فنادى على رولان بارت، وكأنه يريد مهاتفته ليشاركه العشاء قائلًا في قصيدته "الكتابة في أقل من صفر": "ما أخشى قولَه دائمًا أقوله دائمًا/ الكلام/ حيلةٌ/ لتمريرِ الصمت" علي يتحدثُ من موته قتلًا بصمت الموتى الذي أوكَلَه أو وضعه فيه رولان الناقد أولًا والإنسان ثانيًا فأنت لا تستطيع الجزم بأولوية النقد أو الإنسانية كحُكمٍ غرائزيّ على حين اجتماع الياسري المجنون برولان بارت المُحتدِم والعصبي، ههه يضحكُني عليّ في ذات القصيدة، وبعدما مرَّر مساء الخير بطريقته وعبوره بنهد المرأة المُخلَّق في ذات النص يختتمه ب "إنّه الكلام/ ربما الكلام" كأنّه يراسله أو كما هو معروف يتخيّله مشاركًا إياه جحيم بُرءتِه، وحجم غيابه الحاضر نصًّا ورؤية ورأي...


دعوني أخبركم بأنني خشيتُ مثالية عليّ، فأنا شرقيُّ، والمثالية موضوعة رغم فِكاكي من وضعيتها، وسبب خشيتي تكرار النهد، رغم أنّه لم يكرره إلّا لذات السر الذي بُحت به حول أمثلته في بداية هذه السطور، ولكن نص عليّ علمني العِناد والاصرار على مثالية عليّ، وأنَّ النهد حين يستخدمه عليّ هو سجّادة صلاة، وليس أكثر، وليس أقل..


اللص يُناجي، هنا المفاجأة، هنا الارتطام والذهول والوقوف والانتباه المصحوب بجحوظ العيون، ودقّة الحرفة، يقول الشاعر في نص "مناجاة لص طيب" مفتتحًا إياه: "منسوخٌ وجهي إذا رأيت/ منسوخ/ لو/ لم أرَ". ببساطة يقلبُ عليّ وجه الصورة المنوطة باللص على مدار تاريخ التشابيه الممتد على ساحل المجاز العربي، ليجعل منه مصليًا، وذلك الذي لم تعهده سخونةُ اللغة، وانفجار الصورة، فالمعهود على اللص في النص العربي هو طريقة اللصوصية أو شكلها، ولكنَّ مناجاتَه أمرٌ جديد، لا شأن لكم به، هو خاص بعليّ. ختم النص ب "قلت لمن؟/ صرختُ لمن!/ حتى لوى يميني يساري" جاء هذا بعد تأكيده أن وجهَه منسوخ مرارًا خلال النص، ومروره بثرثرته مع صورة أبيه، وقتل علي للكلام في عطلةٍ باللغة، وتقبيل امرأة خلسة... الله يا عليّ! ما الإنسان فيك وبك وعليك. اللص شاعر، اللص بشر، اللص كومة تحتشدُ في جوف كلمات المدى وثنياته واحتقاناته، ومدى قدرته على رصد البشر العادي للالتقاطات...


"الأهم أن تزرعَ في العالمِ شجرةً .. مخفيةَ الثمار" هذه العبارة الشعرية قصيدة كاملة بعنوان: "تنهيدة حواء" ولن أتحدث عن ذلك، سأتركها لتأويلاتكم، فأحيانًا بعض الكلامِ إفساد، وبعض التفسير جرح لِما يُفسَّر، وأنا لا يطاوعني قلبي لأجرَح نصًّا علويًّا بتفسير. أوِّلوها كما شئتُم، أنا أتركُ المهمة لكم فكما أخبرني نصُّ عليِّ بأنّه يريدكم شركاءً خلّاقين مع كاتبه.


يختتم الشاعر علي الياسري مجموعته بقصيدة "ممر صغير" يقول فيها: "دعوني أصفه لكم. إنّه ممرٌ صغير بين غرفتي، وبين غرفة الاستقبال، بين غرفةٍ أكتبُ فيها قصائد، وبين غرفةٍ تجلسُ فيها أمي، مشاهدةً التلفاز/ تارةً تتابعُ الأكلات السريعة/ فتبدو القصيدة سباق/ تارة تتابِعُ حلمًا يموت فيه البطل/ فتبدو القصيدة صماء/ تارةً تسهو عن التلفاز/ فأتركُ بياضًا/ تطفِئُ التلفاز/ فتنطفِئ../ هذه.. القصيدة."

إنّه الترتيب الفوضوي لعالمه الشعري، ووصف الشكل الخاص بتجلياته وانصهاراته، وبساطة تكوين هذه التجلّيات العميقة، وعُمق تأثير تفاصيل الحياة الشخصية المُحاصرة والمحدودة على نصه الشعري، موظفًا أدوات واقعه في النص، إنّ بساطة واقعه سليطة، ومُسلّطة وموجهة نحو الإبداع الخلاق والقوي والمُبهِر وهذا ما لم يجِده سوى عليّ، يقول لكم عليّ، وبعد مئة وتسع صفحات، أنا كتبتُ هذه الصفحات من هنا، من قلب هذا الممر، استوحيتُ تحرُّكاتي وانفعالاتي وهمزاتي وهمساتي من هنا، ولأنني مهذب فقد أخضعتُ قصيدتي لإرادة هذا المكان، ورغم ضيقه وصغره إلّا أنني منحتُها الحرية والاتِّساع والانطلاق مع إبداع البناء، وبناء الإبداع، وصيانة ما خرّبته الانفلاتات الإبداعية العصريّة وتشوّهاتها..


إنَّ عليّ في مجموعته "أدخل بيتي مثل لص" حمل على عاتقه مهمة إنقاذ الشعر والصورة الشعرية في وطنٍ عربيٍّ سحيق، أساء استعمال الحداثة الشعريّة وطوّعها لثرثرات باعة متجولين في شوارع الحضارة ووسائل تواصلها الاجتماعي الوهمي والافتراضي. حضَرَ عليٌّ، وحضَّرَ للسرمد في محاكمة النص العربي، سرمد صلاح هذا النص ومتانته وحُسن التصرف به وأخلاقيته ورُقيّه، كان نص علي حضارة شعرية جديدة وفريدة واستثنائية ومختلفة ومأتلفة والتباسية وجدلية وشرسة وسلسة... تعرف ما تريد، وتريد ما تعرف، كان نصًّا حالمًا بقدرِ ما هو عتيق يتجدد، ويكبر وينمو ويعلو كُلّما قال عليٌّ قولًا فيه أو به أو عليه.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي