loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

البصرة قصة الماء ومأوى الخيال

breakLine
31 2022-01-09

 

 

زهير كريم || كاتب عراقي


من الواضح أن اشتغالات جابر خليفة جابر في معظم أعماله، تحيلنا_ في البدء_  الى سؤال يتمحور حول العلاقة الإشكالية بين التّاريخ والرواية، بين سرد وقائع جرت في الماضي، وبين النص الأدبي التي يتخذ من التّاريخ فضاءً له، مستخدما أدوات الخطاب التخييلي.
والمواجهة الاولى مع روايته الجديدة( نور خضر خان) تضعنا أمام قضية أخرى متصلة  بالتاريخ كذلك، فمن  بين كل الموجودات، يحتل المكان المساحة الأكبر لحركة الخيال، والنشاط العاطفي في الحكايات. حيث يشتغل الروائي عندما يتعلق الأمر بالتاريخ الرسمي، على المناطق الرخوة منه، والحيوات المنسية، تلك الأشياء الهامشية الصغيرة، والتي ننتشلها من إهمال المدونة التاريخية، لتكون ممرا مريحا لحركة التخييل.  بل أن المكان يقودنا إلى أيام الطفولة، إلى الألفة مع الدمى، إلى حقيقة الدمى. هذه الأشياء التي تمثل  المأوى العظيم لخيالنا وحنينينا، كما ظهرت في ( نور خضر خان)، إذ كانت  هذه الدمى ايقونات في المبنى الحكائي، متصلة بالماء، بتلك الخطوط الذي تشكلت عليها أحياء البصرة، المدينة غير المرسومة في كتاب التاريخ،  أو لناس الذين لم يسمح  لهم ان يكون جزءا  من النصوص الرسمية أو السرديات الكبرى!
وجابر خليفة جابر، مثل معظم كتاب البصرة، شديدي الالتصاق بالمكان، يشغلهم دائما استدعاء المدينة من خلف طبقات الزمن لبعثها من جديد، هذا ما فعله في  روايته هذه، فهو يذهب الى اعماق المدينة، الى الصورة غير المرئية التي اختفت في الوثائق المنسية، ليحفر في المدونات والاضابير ليخرج لنا  صورة لأنهار البصرة، محلاتها، بيوتها و يتبع أثر سكانها، وايضا حكاياتها، فشخصيات عمله الجديد كثيرة جدا، سلالات من الحكائين يقومون بعملية اخراج قصاصات سحرية من جيوبهم، كل قصاصة هي عملية استعادة لحياتهم من الغياب، حتى ان الرواية في النهاية تبدو وكأنها  تدوين لمراحل طقس سحري يستعيد من خلاله الكاتب المكان وساكنيه، إنه يحيى الموتى لكي يسردوا بأنفسهم الحكاية كاملة والتي  يمتد فيها الزمن الى قرنين تقريبا، لكنهم يعبرون ايضا في استطرادات تمتد الى مساحة زمنية تشغل ثلاثة قرون تناوب على تأثيثها الاوغاد والطيبون، في مزيج عجيب من الأعراق والأديان والمصاهرات المختلطة، السادة والعبيد، في ملحمة سردية تحتاج الى قراءة متأنية للقبض على خيوطها المتشابكة.
والمكان _ بحسب باشلار_ لا قيمة له إلا من خلال نشاط الإنسان فيه وارتباطه به، هكذا كان (دار زمان) في رواية جابر خليفة جابر فضاء  ليس هندسياً وحسب بل هو المأوى الذي منح سكانه الاحساس والألفة وتحرير الحكايات، انه مخزن الذكريات، فضاء للتجارب، وعالم للأحلام. بل أن البيت كان يحمل  طيلة  زمن السرد الطفولة بين ذراعيه، أنها مبثوثة في فصول وملفات المدونة التي قدمها لنا جابر خليفة جابر، وعلى شكل ذكريات مرة او مبهجة، او على شكل اشياء متناهية في الصغر مثل الدمى، خاصة تلك التي توضع على شواهد القبور، او تلك التي تعود الى الماء، طافية كما لو أن شط العرب، وانهار البصرة التي اختفى معظمها هي الفضاء المادي، هو المكان الذي اختفت فيه الطفولة، والتي لا يمكن استرجاعها الا من خلال الكتابة، فهي تستدعي تلك الممرات المخفية تحت طبقات الزمن، الحكايات التي يختلط فيها التاريخ بالخيال.
2
وحين ندخل الى عالم( نور خضر خان) نجد انفسنا في عام 2049، حسب تقديم الدكتور شكران محمد أمين، للطبعة الثانية من الرواية، والتي صدرت  طبعتها الاولى عام 2024 بعنوان( آنوش) عن دار ميران للطباعة والنشر. هاتان العتبتان تعقبان قصيدة لشاعرة اسمها(  كنار جميل بيكر ) هي شخصية تنتمي  الى الاسرة  التي سكنت دار زمان، وتسبقان القسم الاول، وهو الحكاية الكاملة لظروف واسباب انجاز هذا الكتاب، حيث اشتغلت على مادته التاريخية( نور خضر خان) وسلمته_ كي يحوله الى رواية _ الى كاتب اسمه جابر خليفة جابر، مات هو الآخر  قبل ان تصدر هذه الطبعة التي تزامنت مع اعادة اعمار دار زمان. 
وكان لابد  من المرور على هذا الجزء من المتن السردي، اللعبة التي اعتمدها جابر خليفة جابر، حتى نقترب من المقاصد  التي  سعى لها النص، والمخفية تحت طبقة من الحمولات الرمزية للمكان اذ تتحول الدار الى مدينة، لكن قراءة ( نور خضر خان)  تحيلنا_ في الأساس_ الى سؤال التاريخ. أو عصر الكتابة على وجه التحديد، المدونة القابضة على اللحظة التي تشكلت فيها الأشياء، فسجلت تفاصيل النشاط الانساني، وسردت الوقائع، بغض النظر عن المقاصد والدوافع الايدلوجية التي امتزجت بعملية التدوين، والتي تتقاطع او تلتقي مع  حقيقة ما حدث  فعلا بدون زيادة او نقصان، لكن عملية التدوين لها وظيفة تواصلية بين ما حدث ويحدث وما سوف يكون، فهي هنا  بمثابة الذاكرة للمكان والوقائع وسيرة الناس.
وعلى هذا النحو ذهبت الرواية في ثيمتها الرئيسة الى قضية التدوين بشكل عام، ودور الحكاية في مجمل النشاط الانساني، فهي تسرد قصة المكان المتمثل بدار بصرية تعاقبت على السكن فيه عائلة متعددة الاعراق والاديان خلال قرن ونصف،  والنص يعرض على التوالي مصائر السكان في محاولة لتخليصهم من طبقة الغبار التي تراكمت بفعل الزمن، حتى ظهرت السردية في النهاية  باعتباره المجلى الذي نضع فيه المدينة لنزيل عنها الصدأ فيلمع معدنها المخفي، او ان النص هو المجرفة التي حفرت بعيدا للعثور على اللقى لعرضها على القارئ، إذ يظهر في القسم الاول من الكتاب، اشارة لعملية البحث عن الوثائق المتناثرة في بلدان كثيرة، والتي تتعلق بالدار( دار زمان) الذي يتم ترميمه في عام 2049، وهو العام التي صدرت فيه الطبعة الثانية من الرواية.
3
السؤال التالي، والذي يواجهنا منذ الصفحات الاولى للرواية، يتعلق بالذريعة السردية الإبهامية التي انطوت عليهما عتبتان نصيتان يظهران كما لو انهما هامشا وليس من متن النص، مقدمة الطبعة الاولى والثانية  للرواية التي بين ايدينا، وايضا الفصل الاول المتضمن لسيرة الكتاب_ الرواية_  فزمن انجاز الرواية  بطبعتها الاولى هو 2024، والطبعة الثانية بعد ربع قرن،  بمعنى ان زمن السرد هو مستقبلي،  بالتحديد عام 2049، زمن ظهور الطبعة الثانية من هذه الرواية التي بين ايدينا، الوقت الذي يكون فيه الكاتب جابر خليفة ( الشخصية) غير موجود. السؤال هنا لماذا اختار جابر خليفة جابر( الروائي البصري) هذا الايهام ؟ بالنسية لي أظن الامر له علاقة بقضيتين، تتعلقان كليهما بالتاريخ ايضا، بالعمارة بشكل خاص، الوعاء الذي ينطوي على سيرة  جمالية، بتشكلها الهندسي تمتزج بالفضاءات النفسية للسكان. 
فلو افترضنا مثلا أن (دار زمان) هو بناء واقعي، موجود في مكان ما_ البصرة مثلا_ وهو معمار تراثي او حتى (خربة)، إذا ان صورة الغلاف تشير الى ذلك، فالرواية إذن  تصبح هنا صوتا محرضا لترميم ما خلفه الزمن، وهو بهذا يعود بنا الى جزء مهم من وظيفة التدوين أدبا ام تاريخا باعتباره ذاكرة وارشيفا، وإذا كانت الدار متخيلة، فالصوت سيكون اكثر عمقا واكثر بعدًا من فورة عاطفية للذهاب الى الطفولة، او الى مخزن الذاكرة، بل تصير الدعوة  خطابا  ثقافيا للحفاظ  على الأثر.
و لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فالمدونة التي يقترحها جابر خليفة جابر هي سردية ادبية وليست مدونة تاريخية، هنا يبرز سؤال اخر يتعلق بالعلاقة الإشكالية بين الرواية والتاريخ كما  نوهت في بداية هذه القراءة، إذ تتداخل وتتشابك بينهما الكثير من الخطوط، لانهما  يعتمدان على الكثير من المكوّنات المشتركة كالإنسان والزمان والمكان والطابع القصصي، فما من رواية إلّا وتقوم مثل التاريخ، على بنية زمنية تاريخية تتشخص في فضاء مكاني وتمتد من الماضي إلى لحظة الكتابة وقد تتجاوزها إلى المستقبل، بل ان الرواية تتناول ظواهر اجتماعية، وكل واحدة منها هي تاريخية كما يقول باختين، ونستطيع القول بإمكانية اعتبار الرواية مصدرا غير رسمي للتاريخ؛ لأنّها الأقدر على الاختراق في بنية المجتمع، وقيعان النفس، والأقدر أيضاً على عرض ما هو مسكوت عنه في الخطاب الثقافي والسياسي والاجتماعيّ ، مثلما  ظهر في رواية  نور خضر خان، النص الذي حفر في زوايا المدينة ليعرض لنا شريحة من الصور لم تكن المدونة التاريخية قد انتبهت واهتمت لها، صور من الفضاء النفسي، والنبرة العاطفية للمخيلة، والتي تخلو من مقاصد آيدلوجية او نفعية، فرواية جابر خليفة جابر، اعتمدت على الهامش، الوقائع والحيوات التي لا تدخل عادة في ما يسمى بالسرديات الكبرى، الوقائع والاشخاص الذين  يشكلون مادة أثرت في  التغييرات الكبرى، إذ تظهر الهوامش باعتبارها المادة التي يشتغل عليها أدب ما بعد الحداثة.
هكذا ظهرت لي الاسئلة الاولى في نور خضر خان، اسئلة متصلة بعملية الحفر التاريخي  الذي ينطوي على مقاصد جمالية فنية تهدف الى اظهار السيرة _ سيرة المكان والناس_ باعتبارها خطا موازيا ينطوي على بعد توثيقي في جانب منه، وثيقة أدبية استطاع جابر خليفة جابر أن يقدمها لنا، سردية تتسم بالإمتاع اولا، وبلغة سردية تستدعي القارئ، المخاطَب( بفتح الطاء) وبث الرسائل والشفرات، للخصول على تفاعل مباشر، إذ أن الحكي كان يحمل نبرة شديدة الحميمية في حركته الى الآخر، مستحضرا طيف شهرزاد، لغة وتوليدا واشتباكا مع  الليالي في عالم يمتزج فيه ما كان ومالم يكن وما سوف يكون، في فضاء تشتبك فيه الوثيقة مع الخيال، مستحضرا (سهيلة)  الحكاءة التي في خزانتها نفائس الاسرار، والعارفة بالوقائع السعيدة والحزينة، حيث فتحت اضابير السلالات التي سكنت دار زمان، على افراد العائلة التي تناثروا في البلدان، من امريكا الى روسيا وارمينيا، وزنجبار وعمان وجزر الخليج، والبصرة طبعا، مأوى الخيال.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي