loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الشفافية وحضور المكان

breakLine
2022-09-18

 

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (قطر الندى) لمصطفى عطية جمعة نموذجا

 

 

عبير عزاوي || كاتبة سورية

 


تحتوي مجموعة قطر الندى على  اثنتين وعشرين قصة قصيرة تنتمي لنيار الواقعية التسجيلية  الشعبية، وهو ما يدفعنا إلى قراءتها في ضوء عدد من المرجعيات السردية، التي تبدأ بالعتبات، وتنتهي بالشخصيات والحبكات. 
فإذا نظرنا إلى العتبة الأولى وهي العنوان، فإننا نرصد مفارقة في تكوين العنوان، فقد دأب مؤلفو القصص عادة على أن يكون عنوان كِتابه القصصي من إحدى قصص مجموعته. لكن  الدكتور مصطفى استعاض عن ذلك بعبارة قطر الندى وهي تركيب إضافي إسنادي مبتدأ محذوف الخبر أو العكس وربما يعرف المحذوف وتتم العبارة إذا عرفنا أن مصر المحروسة هي المفردة المضمرة التي تم حذفها لشيوعها ومعرفتها وبداهة موقعها من الجملة،  والعبارة مأخوذة من أغنية شعبية معروفة تقول كلماتها "ياحنة ياحنة ياقطر الندى شباك حبيبي ياعيني جلاب الهوى".  وقد عمد الكاتب إلى تقسيم قصصه إلى مجموعات صغيرة من أربع الى خمس قصص او مشاهد معنونة بجملة مأخوذة من أغنية شعبية مصرية .
‏وهو لم يفعل ذلك رغبة في الاختلاف أو كإشارة إبداعية، بل جعل العنوان صورة بلاغية موحية تربطه دلاليا بمحتوى القصص فكلها مأخوذة من حكايات الحارة المصرية المليئة بالشجن والحنين إلى ماض جميل رغم مرارته. والعنوان يحمل دلالات ظاهرة  وباطنة استخدمها الكاتب كوسيلة لجذب القارئ وإثارة خياله وشجونه .
‏ وتنفذ إلى أعماقه، لتأخذ وجدانه في سياحة أدبية و متعة روحية ذات شفافية عالية ورقة تحملها صورة قطر الندى الاسم الذي يحبه المصريون كثيرا ويأتي عندهم مرادفا للحب والحنان والتضحية والسمو.فكثيرا ما حملت أميراتهم وبناتهم هذا الاسم الشفاف. 
‏ 
تناول الكاتب مواضيع عديدة، بعضها يحمل فكرة بسيطة و مشاعر عفوية لا يوليها الانسان أهمية عادة، لكنه سجلها و تخيّلها ربما يفتقر بعضها لحدث واضح أو عقدة متفجرة، لكنها تحمل تسجيلا نابضا لأسرار وحكايا حفلت بها الحارة المصرية الخزان الدرامي والابداعي الذي لا ينفذ والذي فتح العيون عليه كتاب من الجيل الذهبي أبرزهم نجيب محفوظ عراب الحارة المصرية .
ويندهش القارئ من كل هذه الشحنة العاطفية التي يحملها الكاتب لطفولته وتأثير الفن العميق عليه وعلى وجدانه بل على كل مكونات تلك الحارة حيث تتنوع مصادر التأثير من الأغاني إلى السينما إلى التلفزيون ويتضافر الشكل مع المضمون من خلال التقسيم الذي أشرنا إليه في العنوان والعناوين الرئيسة ثم في عنوان كل قصة ، كل هذا يدل على مدى تمكن القاص من أدواته الإبداعية القصصية، و حسن استعمالها لتصل إلى عمق القارئ بإيقاظ حنينه أو مداعبته بحرير كلماته وبديع صوره، وخصوصا في القسم المعنون "وحوي ياوحوي ".
استعمل الكاتب الرمزية بوقعها الجميل و المجاز بأثره المتموج في ثنايا قصص يبدو ظاهرها بسيطا لكنه في العمق تغازل الواقع السياسي والاجتماعي والسلبيات التي تحكمه كما في قصة الخطاط ،وعملية الانتخابات بما يحمله الخط واللافتات والألوان من  إيحاء قوي جدا على ما حدث، و يحدث في مجتمعنا بين السلطة و شعبها.
هذا، وتظهر جرأة الغلاف رغم بساطته، اللون الارجواني الفاقع ورسم لفتاة ننظر من خلال نافذة مغلقة فهل تنتظر مصر أن تفتح نافذة الحرية لها خصوصا أن الإهداء لثوار زهرة اللوتس بما تحمله تلك الزهرة من رمزية المقاومة والطفو فوق مياه المستنقعات أو البحيرات العميقة وبما تنعكس عليه مايفور في عمق الحارة المصرية من تناقضات وما تحمله من قيم الشهامة والعنفوان وارتباط بالموروث الشعبي الأصيل الذي يميل للمرح والتفاؤل والأمل بالغد رغم القهر والجرح.
أيضا فإن الأناقة واضحة في تصميم الغلاف وتنسيق الكتاب، حيث يبلغ عدد صفحات  المجموعةالكلية مئتان وخمس صفحة أما الفعلية فهي مئتان وصفحة واحدة، حيث تنتمي هذه المجموعة إلى المذهب الواقعي التسجيلي. الذي يمزج الشعبي بالسياسي، والاجتماعي بالرومانسي .
أما أبرز التقنيات الأدبية المستخدمة فهي الراوي العليم المصاحب الراصد. و السرد المتقطع. و الانتقال من قصة الشخصية لقصة التقليد أو المكان .
جاءت اللغة القصصية في المجموعة جيدة، فهي تميل للسهولة و المتانة في بناء  الجملة وتظهر مقدرة الكاتب في التناوب بين  الجمل القصيرة والطويلة، وثمة ارتباطات قوية بين البيئات الخارجية والبيئات الاجتماعية والبيئات النفسية في لغة النص، تناسب أماكن مثل /  المبيضة و مقهى زغلول وسوق الصوف وسينما عبد الحميد ...المشفى الاميري...... والبندر والريف    لغة كهذه تناسب النص تمان، لأنها  بيئات تحتضن بشراً يتكلمون لغة سهلة فيها تورياتساخرة ولاذعة وهذا معروف عن الشعب المصري.
وقد برز المكان كبطل من أبطال قصص المجموعة، فهو ثابت قوي من ثوابت القصص التي تعتمد في بنائها على الحارة الشعبية ومفرداتها وعلاقات الناس المتداخلة فيها والتي تحكمها البساطة من جهة والنزاعات المتوارثة والمبطنة بسبب الانتماءات المختلفة من جهة أخرى ..هذا المجتمع الذي يتكون من مزيج من الأفكار والعوامل والقناعات والصراعات لابد يحتاج لعملية تطهير تجري بين الحين والآخر ليتجدد شبابه ودماؤه ولابد من التضحيات. إنه ‏شعب تحكمه الحاجة إلى الأمان والاستقرار والدعة في العيش وتتنازعه عوامل الفقر والحاجة وانعدام الحلم بمستقبل أفضل، ‏شعب يحب الحياة والسينما والموسيقا والأغاني والأعراس لكن التفاوت الطبقي يظهر جليا الكاتب صور لنا المجتمع المصري. في مرحلة مفصلية يتجه بها من القديم إلى الحديث بخطى حثيثة تلقي كل قديم وراءها وتمضي بقوة وإصرار لمرحلة جديدة وتخوض تحديا وجوديا بهذا الانتقال فعين تنظر للأمام وأخرى ترمق الماضي بحنين جارف.
الحوار لغته قوية مثلها مثل لغة الوصف ولغة السرد والوصف؛ معمقا النظرة الطبقية الفكرية والاجتماعية في المجموعة،  بالإضافة إلى أن لغة الحوار كانت فصيحة قوية وفصيحة سهلة، وهذان النوعان هما أفضل أنواع الحوار من الناحية اللغوية، أما من الناحية الموضوعية فهي  الأفضل للقصة الشعبية،هي لغة فصيحة بروح عامية.
وفي جميع القصص تبدو الشخصيات طاغية على الحدث و مسيطرة على سير الحكاية على عكس ماهو متعارف عليه في القصة القصيرة حيث من المفترض أن يكون الحدث هو الطاغي.
واعتمد الكانب الرسم  الديناميكي للشخصية حيث نكاد نتعرف على أبطاله في المسلسلات والأفلام بل نكاد نشعر بهم حولنا يحادثوننا ويعاتبون ويغضبون ويسخطون ويعشقون وينهارون ... فهم أشخاص أذكياء اجتماعيا لماحون يعكسون بصدق تنوع أنماط أبناء الحارة المصرية واختلاف تجاربهم وتفاعلهم مع تطور المجتمع 
جميع الشخصيات تقريبا من النمط الشعبي البسيط العميق في الحب، تعيش في  الحب وللحب تتميز بالوفاء والجدعنة  وأتت ردا على نماذج ناسبت زمننا الحالي حيث التافه والمتهافت. 
وقد تراوحت حبكات القصص بين العادية و الجيدة و القوية، القصص مثيرة ومشوقة هي قصة الحب والفقر والحلم والشغف والإيمان والنزوع إلى العالم المثالي . والتوق إلى طفولة غامرة . وتميزت الحبكات بسلاستها وأحاديتها فكل القصص تبدأ من بداية معينة وتتسلسل لتنتهي بهدوء وانسيابية وأحيانا يشعر القارئ ان القصة لم تنته بعد. ولازالت أحداثها جارية وتقبل تطورات جديدة.
على جانب آخر، ابتعد الكاتب عن التقنيات الحديثة والقفلة المفاجئة او التنقلات الزمنية غير المبررة، لذا، فإن المجموعة تحمل سمة الواقعية الشعبية بامتياز تنحاز للفن والأصالة والحب الصافية ابتداء من صفاء العنوان قطر الندى وانتهاء بصفاء النفس أيام العبادة في رمضان وطقوسه ومرورا بصفاء نفوس أولاد الحارة الذين يميلون للطفولة وبراءتها الشفيفة.  
إن هذه المجموعة تحمل سمات الأدب الخالد لأنها تنحاز للإنسان وقضاياه البسيطة والحيوية وأحقيته بالحياة والحلم والأمل والفرح. فالأدب الخالد هو الأدب الذي تتوفر فيه مجموعة من الخصائص الفنية واللغوية والنفسية التي تجعله عالمياً أي صالحا لكل زمان ومكان، مثل الحيادية في تناول الأحداث السياسية، والتركيز على الجانب الإنساني للشخصيات الذي سلط عليه ضوءا باهرا؛ مع العلم أن القصة الحداثوية قد لا تأبه بهذا الجانب  لكنالفن هدفه ومستقره الانسان ويعكس انسانية الكاتب قبل أي اعتبار. 
فهذه القصص تحمل سمات عميقة، من خلالغوصها في هموم الحارة المصرية والإنسان المصري البسيط بلغة سهلة تميزت بالشفافية والنصاعة والقوة ولم يألُ الكاتب جهدا في تقديم صورة تلك الحارة بمنتهى الحب والحنين إلى جذور ضاربة العمق في الأصالة والطيبة. إن المؤلف كاتبينحاز للإنسان في كل حالاته وتجلياته ويرسم طريقا للأمل رغم الوعورة والمشقة والمعاناة والظلام. 
ولعل هذا المقطع المقتبس من المجموعة يلخص ماذهبنا إليه في هذه المقاربة السريعة وقد ورد في الصفحة الحادية والثمانين: 
( على ضوء مصباح الشارع الأبيض مشينا متجاورين، ثمة شرخ في قلوبنا فاللحم البشري مهدر بالمال، والنفوس مذلولة بالشهوة، والقلوب مخترقة بالحرمان، ورأيت حبا مختلفا يتجاوز اللقاءات فوق الأسطح، بين حبال الغسيل، والجلوس على الكورنيش ، والسير على شاطئ البحر. )
وهكذا نكون قد بحثنا في حضور المكان والشفافية التي طبعت المجموعة بطابع خاص له مذاق فريد من الماضي والأمل والحنين.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي