loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ثُنائيةُ العَطَشِ والماءِ .. والظَمأِ والإرتواءِ .. في مَشْهَد كربلاء

breakLine

 

مِنْ وَحْيِ كَرْبلاءِ -2

 

الشيخ محمود الجياشي / باحث عراقي


تحظى ثنائية ( العطش والماء ) في كربلاء بمكانةٍ مرموقةٍ ورمزيةٍ عميقةٍ ومؤثرةٍ في الوجدان الديني والإنساني .. وهي أحد العناصر العظيمة التي أخذت مساحة واسعة ورسمت مشهد الفداء الحسيني في عاشوراء .. تعجز الكلمات عن الإحاطة بالرمزية العميقة لمشهد العطش الذي تجسّد في معسكر الحسين عليه السلام في كربلاء .. سواء عطش الحسين أم عطش النساء والأطفال أم عطش الأبناء والأصحاب .. إنه مشهد وجداني يتفجّر بالأسى والحزن .. وتهتز له أركان المكان .. وأبعاد الزمان ! وتتصدّع عند سماعه أو تصوّره أعماق النفس ومكنونات الوجدان .. وتتوقّد حرقة القلوب والأرواح حزناً وأسىً وحسرةً على مشهد العطش الحسيني الذي بكى من أجله حتى الفرات !! وفُجِعَت به جميع الكائنات من سكّان الأرض والسماوات .. لا أعرف كيف يبكي الماء .. لكني متأكد أنه بكى بشدّة ومازال يبكي ! بعدما حُرِمَ منه سيد الشهداء عليه السلام !

لاشكّ أن مقتل إنسان عظيم ومصلح إلهي كالحسين عليه السلام عطشاناً وهو بجانب الفرات الذي تقع فيه خنازير السواد وكلابه !! يرسم صورة رهيبة .. ويعطي دلالة عميقة على بشاعة الجريمة التي أرتكبها أعداء الحسين عليه السلام بحقّ عترة رسول الله بل بحقّ الإنسانية جمعاء !
هذه الصورة التي يجسّدها دعبل الخزاعي مخاطباً الزهراء عليها السلام في تائيته المشهورة :

أَفاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلاً  وَقَدْ ماتَ عَطْشاناً بِشَطِّ فُراتِ

إِذاً لَلَطَمْتِ الْخَدَّ فاطِمُ عِنْدَهُ وَأَجْرَيْتِ دَمْعَ الْعَيْنِ فِي الْوَجَناتِ

نعم .. ماتَ عطشاناً بشطّ فراتِ !! هكذا جَمَعَ دعبل ببراعته وقوّة شاعريته هذه الصورة المتضادّة ( الموت عطشاً مع شطّ الفرات ) !! واعجباه .. كيف حصل ذلك ؟!! أليسَ الموت عطشاً يتحقق في الصحراء ؟!! إذن كيف مات الحسين عطشاناً بشطّ الفرات ؟!! ماذا حصل ياترى .. هل جفَّ الفرات أو إنحسرَ ماءه ؟! كلاّ .. بل جفّت قلوب القوم وران عليها ماكانوا يكسبون .. فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة !

لا أبالغ إن قلت : أنّ ( الماء ) في كل بقاع الأرض وخصوصاً ماء الفرات سيبقى خَجِلاً يذرف دموع الحزن والأسى على ضفافه وشواطئه الى الأبد بعد فاجعة العطش الحسيني !!

إنّ معادلة العطش والماء في كربلاء هي إحدى أعظم معادلات الحياة الحقيقية وملاحم الصّبر والطاعة في الرسالات السماوية .. وأرقى مشاهد الحبّ الإلهي .. وأسمى أدوار الفناء والفداء التي جسّدها الحسين وصحبه الأبرار .. وخشع لها الكَوْن بعمقه الأكبر  ! بالرغم من قساوتها الظاهرية التي تتصدّع منها رواسي الجبال ! فإنّ قطع الماء عن الحسين وحرمه وأطفاله تعدّ من أخسّ الجرائم الانسانية وأقذرها على مرّ التاريخ ! ويعجز القلم واللسان عن وصف بشاعتها وشناعتها ومدى قبحها بكل المقاييس الإنسانية والشرعية والأخلاقية وحتّى القانونية !

لكن السؤال المهم هنا .. والمقصود في منظور هذا المقال هو :
ماهو السرّ أو الحكمة من إقتران عاشوراء الحسين عليه السلام بمشهد العطش وبهذا المستوى العميق الذي جعل ثنائية العطش والماء محتوىً رئيسياً لابديل له في المشهد الحسيني في كربلاء ؟! 
بعبارة أخرى : ألا يكفي الحسين وأهل بيته وأصحابه التضحية بالنفس والقتل في سبيل الله وبذل المُهَج والدماء بلا حاجة الى مشهد العطش الرهيب ؟!

في هذا المجال يمكن القول كأطروحة :

أن الماء سرّ الحياة وهو الذي جعل الله منه كلّ شيء حيّ .. ولايمكن لأي مخلوق حيّ أن يستغني عن الماء !
في ضوء ذلك فإنّ كل مخلوق حيّ سيذكر الحسين عليه السلام عندما يرى الماء أو يشربه .. وهذا يعني إقتران ذكر الحسين عليه السلام بسرّ الحياة الذي هو الماء .. ومن هنا كانت ثنائية العطش والماء عنصراً أساسياً في مشهد كربلاء .

وممّا يؤكد ذلك التركيز في الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام على الثواب العظيم لمن ذكر الحسين عليه السلام عندما يشرب الماء !!
ورد في كامل الزيارات - الباب ٣٤ - الحديث ١ :

عن داود الرقّي .. قال :
كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذا استسقى الماء، فلمّا شربه رأيته قد إستعبر واغرورقت عيناه بدموعه، ثم قال لي: يا داود لعن الله قاتل الحسين (عليه السلام)، فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين (عليه السلام) ولعن قاتله إلاّ كتب الله له مائة ألف حسنة، وحطّ عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله تعالى يوم القيامة ثلج الفؤاد .

إقترن ذكر الحسين عليه السلام بالماء بسبب قتله عطشاناً 
فعندما نذكر الحسين نذكر الماء 
وعندما نذكر الماء نذكر الحسين !!  فصار الحسين ماءً للحياة الحقيقية .. أي لاحياة حقيقية إلهية بدون ذكر الحسين .. لأنه صار سرّاً لتلك الحياة !

كل من يريد أن يقدم خدمة للحسين نراه يجعل توزيع الماء وسقاية العطاشى على رأس أولوياته في شعائر الخدمة الحسينية .. ونرى أكثر العبارات انتشاراً في مواكب الخدمة هي : 
إشرب الماء واذكر عطش الحسين عليه السلام !

لقد حرموا الحسين من الماء الدنيوي المادي ... فأعطانا سلام الله عليه ماءَ الحياة الحقيقية وأنقذنا من العطش الحقيقي وهو البُعْدُ عن الله سبحانه !! 
قطعوا الماء المادي عن كربلاء .. ففاضت كربلاء ينبوعاً أبدياً بالماء الإلهي الذي يسقي عطاشى الكمال والحبّ الإلهي في كل زمان !!

من المؤكد أن العطش الحقيقي هو الذي يؤدي الى الموت الحقيقي ، وهو البعد عن الله مصدر الحياة والكمال ..  فالحسين بعطشه المادي نقلنا الى عين سلسبيل إلهية نرتوي منها ماء الخلود السماوي !

وبنظرة إلهية عميقة فإنّ معسكر الحسين لم يكن عطشاناً في الحقيقة .. بل العطش الحقيقي أصاب أعداءه وكانوا هم الهالكين في جفاف أرض الكفر والمعاصي !
لقد كانت مشرعة الماء السماوي عند الحسين عليه السلام وليس عند أعدائه !! بل أعداؤه هم الذين حرموا أنفسهم منه فماتوا وهلكوا في صحراء التَيْه والجفاف وباؤوا بغضب من الله عظيم !

إنّ العطش المادّي .. يقرّبنا من الإرتواء المعنوي ! فالجوع والعطش في الصوم مثلاً يعززان إتّصال الإنسان بعالم الكمالات المعنوية والصعود الروحي في مدارج القرب والزلفى .

لقد عَطَشَ الحسين عليه السلام عطشاً مادّياً حتى جفّ لسانه المبارك وذَبَلتْ شَفَتاه المقدّستان .. لكنّه منحنا الإرتواء الأبدي وفتح لنا طريق الوصول الى حوض جدّه المصطفى صلّى الله عليه وآله الذي من شرب منه شربة لايظمأ بعدها أبداً ! 
وقُتِل الحسين عليه السلام بدنياً وقطّعته السيوف والرماح .. لكنه منحنا الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية !!

فهل رأيت من قبله عطشاناً يكون عيناً سلسبيلاً تروي ظمأ العطاشى ؟!!
وهل رأيت من قبله قتيلاً - تطؤه الخيول بحوافرها - يمنح الآخرين الحياة السرمدية والكرامة الأبدية ؟! 
فيا أيها العطاشى .. أذكروا الحسين عندما تشربون الماء .. بل أذكروه دائماً لكي يَرْويكُم بكأسه الأوفى من مائه الإلهي ويمنحكم الطهارة العظمى والخلاص الأبدي .

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي