loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

دراسة في التدوير عن حسب الشيخ جعفر

breakLine
47 2021-11-11


حاتم الصگر : كاتب وناقد عراقي


 

في حوار مع الشاعر حسب الشيخ جعفر يقول “في القصيدة الواحدة كنتُ أنتقل بحرّية بين بغداد وسومر، وموسكو والعمارة، بين الأزمنة الغابرة والوقت الراهن، مرورا بالأزمنة العديدة الأخرى” (1).  إن وجود حسب داخل تجربة ما عُرف اصطلاحاً بالشعر الحر بطريقة الرواد، تتأكد من تعالق أبرز المؤثرات في نصه: ذاكرةً ومخيّلة تعملان بتدافع وتقابل وتوال أحياناً. وهذا يفسر في شعر حسب ظواهر رُصدت نقدياً، منها:
   • تمازج الثقافات دون عقدة أو شعور بالنقص أو الخوف من المثاقفة مع الآخر، من خلال التعرف على أدبه وثقافته وحضارته، والنهل منها لتعميق التجربة الشعرية، ونقلها إلى العربية لتعميق مجرى الشعرية العربية وضخها بروافد جديدة.
   • السفر الحر عبر الأزمنة والأمكنة امتداداً من اعتقاده بالمواطنة الإنسانية، والعيش في أزمنة متعددة، يسترجعها إنسانياً، بإحساس حضاري يتخطى حواجز الانتماءات الهوياتية الضيقة، وذلك أتاح له استكمال تجربته في السفر الحر عبر الأزمنة والأمكنة، واقتراض الرموز والأساطير محلياً وعربيا  وعالمياً، ومن حضارات مختلفة.
   • العودة من تلك الأسفار إلى بؤرٍ مكانية وزمانية، لها في ذاكرته أثرها الراسخ، هي في الأغلب طفولته وصباه في قرى على حافة الأهوار في  مدينة العمارة جنوب العراق، والتي غادرها فتياً إلى بغداد ثم موسكو للدراسة الجامعية، فيتمثل تلك البؤر في القصيدة، حنيناً ونداءاتٍ ملآى بالتوق للإمساك بها، كما في الصور والأخيلة.
لم تكن محاولات التدوير الشعري  السابقة على القصائد المدوَّرة  للشاعر حسب الشيخ جعفر تتوقف عند المبرر الفلسفي والفني والموضوعي للتدوير، بل تكتفي بالاهتمام بالشكل السطري، والإيقاع المتواصل في نظام التفعيلة، والمقطعية التي تتسم  بها الكتابة بالتدوير.
نذكر في هذا المجال عدة محاولات سبقت تجربة القصيدة المدورة لدى حسب الشيخ جعفر. فللشاعر خليل الخوري عام 1958  نص بعنوان “الشمس والنمل” (2)
يرد فيه:
الشمس تشرق فوق مملكة النمال، وتسلم النمل الملون للمتاهة،
والمتاهة حفرة الصمت الكثيف، وعقدة الأفعى، وبئر دون قعر
غير أن النور وعد بالظلال ومن يرى النور المشع يرى الظلال….
ولا يخفى ما في النص من تكلّف في اطّراد التداعيات المفرغة من ترابطاتها الداخلية كمكونات نصية. وليس فيها بعد تأملي أو سردي يستثمر البنية السطرية في التدوير.
وهي غير مكتملة التدوير في النص كله، بل في أجزاء منه. كما أن  الأشطر لا السطر المتصل هي الهيكل الذي انبنت عليه تلك القصائد، مما يجعلها غير مكتملة التدوير، وما تتطلبه سطريته الشبيهة شكلياً ببنية البند.
 ومثلها قول الخوري في “الرؤيا المكبَّلة” المكتوبة في عام 1961:
أنا في انتظار المعجزةْ
من أينَ؟
لا أدري ! ولكني هنا ألتاثُ
يوجعني انتظار المعجزةْ
الصمت في الأغوار يزحفُ
يأكل الأبعاد يفترس الزمانْ (3)
فالأشطر واضحة الثبات على بنيتها، وثمة وقف في الأشطر، فيسبّب سكون الروي توقف التدوير.
وليوسف الخال نص في العام نفسه بعنوان(الحوار الأزلي) (4) ومنه:
           توارينا/عن الأبصار أكفان من الرمل غبار ذرّه الحاضر في
           ملاعب الشمس تقولين/أنا لما ازل طفلاً تأملني فللطوفان
           آثار على قميصي الرطب وفي عينيّ أسرارُ عذارى
           لم تفق بعدُ………………
وواضح هنا الاضطراب الإيقاعي، والانصياع للوزنية التقليدية، بدليل التوقفات في الإيقاع. والخلل الوزني، ومجانية التداعيات التي لا تمسك بآلية من تقنيات القصيدة المدورة.
لكن حسب ينطلق في كتابة القصائد المدوّرة من قناعة فكرية، تتجسد فنيا وبتواتر واستمرار على الكتابة، بينما انسحبت المحاولات الأخرى وتوقف كتّابها عن تكرار الكتابة بها. وقد كانت قصيدة “قارة سابعة” في ديوان حسب “الطائر الخشبي” المكتوبة عام  1969 أولى محاولاته التدويرية، لكنها كانت مدوّرة جزئيا، إذ تخللتها أبيات في أشطار منفصلة أشبه باللوازم بين التدوير، وليست في سطور متصلة.
وترسخت تجربة حسب في “زيارة السيدة السومرية” في الاتجاه إلى التدوير الذي عُرف به في تجارب شعرية متعددة، اعتقاداً منه بأن ذلك البناء  يوائم ما تتضمنه قصيدته من سفر وعودة للأزمنة والأمكنة، ومحاولة القبض عليها لغوياً وصورياً ثم مزجها في النص.
لوحة: عبدالباسط الخاتم
فالتدوير الشعري قائم كلعبة فنية كما سماه حسب في مقابلته المذكورة آنفاً لأن “القبض على الزمان والمكان هو لعبة التدوير الشعري، القبض عليهما وتهشيمهما، أو المزج بينهما، أي أنك في الوقت نفسه، وفي البؤرة الشعرية نفسها، يمكنك أن تكون في العديد من الأزمنة والأمكنة المختلفة” (5)، وذلك يفتح أمام الشاعر طرقا مبتكرة، أغنت القصيدة الجديدة من جهة، وميزت الشاعر بخطاب فلسفي يبحث في جوهر التدوير من جوانبه الرؤيوية، والحضور المتعدد في اللحظة نفسها، وهو ما يتعارض مع الاندفاع الغنائي والجيشان أو الهيجان اللغوي  والصوري في شعره الأول، والمتأثر بسياقات تجربة الغربة أيام الدراسة في موسكو لسنوات.
وهذا يفسر عودته للغنائيات وإيقاعاتها في شعره التالي لمرحلة لقصيدة المدورة، فكأنه أحس باستقرار ما، يوقف ذلك الدوران والبحث والسؤال، فأنتج ذلك الاستقرار اللاحق لمرحلة التدوير دخوله النهائي في تجارب شكلية يغلب عليها اللجوء إلى قاموس تغريبي بسبب تراثية المفردات، واتكائه على سرد الحكايات والأمثولات، مع استعارة شكل السونيتات في هيئتها الخطّية أحياناً كثيرة، لخلق نوع من الانضباط في الهيئة الخطّية للحكاية، وجرسها الموسيقي المناسب للسرد الحكائي وما فيه من شعبوية، حاول حسب أن ينتشلها منه، فأردف كل نظم للحكاية بخلاصة هي بيتان يختم بهما أبيات السونيت الأربع عشرة. وهي تعيش في أغلبها على قصص الحيوان وسواها مما زخرت به كتب التراث العربي والشعبي لاسيما كليلة ودمنة، وعالمياً حكايات إيسوب ولافونتين.. (6) وقد غطى ذلك الامتثال لما يشبه اللزوميات على عمق الأفكار وتأملات حسب في الزمان والمصائر. وتشبيهها باللزوميات مستنبط من تشابه العزلة التي عاشها حسب وجودياً وفكرياً، والحزن الغالب على ملفوظه الشعري، وشعوره بالفقد والحنين لما لم يحصل في حياته، واستمرار البحث عن مجهول يشبه وعداً كثيراً ما شبهه بكنز الحكايات المخبوء في جرَّة في مكان ما لا يصله الإنسان .
وقراءة “قارة سابعة” تعكس وجود عثرات المحاولات الأولى رغم إيقاعها الملحمي الذي يشي به طول القصيدة بمقطعيها.. فهو يقول فيها:
“.. في هدأة العباب، أبحرتُ، طويلاً، عاشقاً منحدراً أبحرتُ، تغوي زرقة اللؤلؤة المصون، يغوي الزبد الهائج والزوابع، الدودة في قوائم السرير، أبحرتُ ثقيلاً هائلاً تحملني وزينا إلى اللاشاطئ، القرار يغوي، الغرق الأخضر يغوي، البجع المصطفق النائح يغوي، الموت في البنفسج الموت بطيء، عاشقاً أدخل، لي ينفتح الخليج يصفو، امرأة تحمل لي البحر على خفق يديها، امرأة تطرح عنها الطحلب الطري تأتي كالصدى حافية، تفيض في السؤيؤ تحتي مثلما يندلق الفرات تحت النخل، تحندتي الألق الطافر في الخلجان، تحتي ذروة الموجة حين تشب عالياً..”  (7).
ومراجعة نص القصيدة يوضح اقتصارها على سرد ذاتي يكون فيه الشاعر سارداً دوماً. ولتصوير اللحظات الإيروتيكة الطافحة بالشبق، واستذكار اللقاء الجسدي بالمرأة، وما ينضح به النص من غواية يمثلها تكرار الفعل (يغوي) وطقس الإبحار الذي استعاره الشاعر لتصوير اللقاء الجسدي. ويظل النص أسير هذه اللحظة. وقليلاً ما تمازجت الأمكنة والأزمنة واقتصرت على استرجاع أشياء المرأة في تفاصيل غرفتها وحديثها وتمنعها والإسهاب في وصفها.
فنياً تخرج القصيدة من دورانها لتستحيل إلى أبيات شطرية، منصاعة لإغواء آخر هو الموسيقى التي تهبها القافية، قبل العودة إلى التدوير في مقطع داخل القسم نفسه. وبذا يخيل للقارئ أن الشاعر تعب من دوران النص، وعاد للنظام التفعيلي الحر في التقفية وهيئة الشطر الشعري.
سننتظر التجربة اللاحقة المتمثلة في قصيدتين في ديوان “الطائر الخشبي” هما “الرباعية الأولى” و”الرباعية الثانية” المكتوبتان ببغداد عام 1970 بعد عام على تجربة “قارة سابعة”، وصلتهما بالتدوير أقوى وأكثر نضجاً..
تتمتع الرباعيات بتدوير كامل على امتداد القصيدة كلها، وأعده التدشين الحقيقي الناضج لهذا الشكل الذي سرعان ما سينتشر، و يحتذيه شعراء كثر، بل يغدو من علامات الحداثة الشعرية الوزنية، ثم ينتقل ليشيع في نوع أكثر حداثة هو قصيدة  النثر، المهيأة أكثر من سواها بسبب نثريتها  لتقبّل التدوير، وبعد أن يكتب حسب “الرباعية الثالثة” عام 1971 يستمر في اعتماد هذه التقنية في ديوانه اللاحق “زيارة السيدة السومرية” التي حملت بعض قصائده صفة التدوير أيضاً، مثل “الحانة الدائرية” و”الدورة”، ثم يخف التدوير ويختلط  بالشطر الشعري في ديوانه “عبر الحائط في المرآة” 1977. إن المؤثر الموسيقي الكلاسيكي واضح في افتراض الصلة  مثلا بين أجزاء الرباعيات الثلاث داخليا وبين بعضها البعض خارجيا، فقد كتبها  الشاعر في أزمنة مختلفة، لكنها تكمل بعضها. فيتم بناء الرباعية الأولى عبر أربعة مقاطع مدورة تفصل بينها لازمة قصيرة، تُختم بلازمة الختام التي جاءت  على بحر غير ما نظمت به الأجزاء الباقية. وأجد أن الرباعيات كانت اختياراً مناسباً من الشاعر لبيان التشابه بينها والرباعيات الموسيقية، حيث  اختلاط الآلات الأربع في الموسيقى الكلاسيكية الرباعية وبين رباعياته المدورة  المازجة بين أزمنة وأمكنة متعددة، فكأنها الأصوات المشتبكة في المعزوفات بسبب امتزاج الآلات الأربع..
 تتجسد في “الرباعية الثانية” رؤية حسب الشيخ جعفر  للحضور الزماني والمكاني في النص دون حواجز أو فواصل؛ فالماضي والحاضر والمستقبل تصطف مع بعضها، وكذلك الأمكنة الريفية والمدينية في العراق والغرب يضمها سياق واحد، ما يتيح للشخصيات أن تحضر متزامنة رغم تنافرها: بائعة في متجر ببغداد، وتاييس التي تأخذ وجهها عبر الزجاج، وامرأة القيصر التي يرد ّعنها المغول الذين لم تعش زمنهم، فيما يكون الراوي يوسفا معشوقا ومتشردا في البارات، وابن فلاح تتشقق راحتاه بمناجل الفلاحة. ونلاحظ أن ثمة اختلاطاً في احتدام التدوير واستمراريته التي توحي بالنزف الشعري الذي لا يتوقف.
إيقاعيا تتوزع القصيدة على أربعة مقاطع غير مرقمة، تتكفل القراءة باستكشافها بدليل نهايتها والنقطة التي تنتهي بها العبارة الأخيرة، وبالانتقال إلى تفعيلة بحر آخر، والختام بنهاية أخرى.
ويمثل استهلال الرباعية كشفاً عن خطة النص ومغزى التدوير فيه، فقد حضرت مدن دون منطق جغرافي على خرائط الواقع. وكذلك في زمنيتها وشخصياتها. إنها فضاء للخيالات والتداعيات تدور بحرّية وفَّرتها البنية السطرية للقصيدة، واتسعت لتحتوي رغبة الشاعر في العثور على الجمال الأزلي. وهو ما يجسده المقطع الاستهلالي حيث الجواري والعشيقة والحانة والمقهى وموائد البار والجرائد كإشارات عصرية، فيما ترد إشارات من أزمنة وأمكنة بعيدة، مثل رد المغول وامرأة القيصر والكهوف وتاييس وحوائط بابل:
“ألمُّ الغبارَ القديمَ، ألمّ الصدى عن تصاوير وجهي، الليالي هوادجُ فارغةٌ والجواري لهنَّ الأراجيح والظل، ينظرن لي باشتهاء، ويغزلن وجهي خيوطا تبعثرها الريحُ، تلقي بها في مقاهي الدخان وحاناته، كلَّ فجر بعينيَّ هاتين أبصر وجهي قشورا وأوراقَ خسٍّ يلمّونها عن موائد بارٍ، ويلقي بها في البراميل وجهي، الجرائد تُكنس.
وجهي اصطفته المليكةُ، أجلسْتُها ذات قرن بحجري، وحدثتها عن أبي والشقوق التي خلَّفتها المناجلُ في راحتيهِ،.. ومعشوقتي امرأةٌ في الثلاثين مرّت عليها القرون ولمّا تزل في الثلاثين، في النخل تغلي الظهيرة والرز يشهق نديان، جاءت تراودني،
يا لَفخذين ممتلئين، افترشنا السنابل.. لي ليلة عشت فيها ثلاثين قرنا أردّ المغول عن امرأة القيصر، انشقت الأرض، ردّت إليّ الكهوف أنين الوحوش التي انقرضت، دارت بنا السفن الكوكبية أفزعنا حين حطت تألق تاييس، صرنا تماثيلَ في الكوكب المعدنيِّ،.. الجواري لهنَّ الأراجيح والظل، الذراعان ينفتحان إلى جانبيها طويلا.. ذراعاكِ في الريح  قشٌّ، وكوكبنا حفنة من غبارٍ، ألمُّ الصدى عن حوائطَ بابلَ..، في أيّ آجرّةٍ وجهها؟ أيها الكاهن الحجريّ.. المغول انحسروا عن لحم تاييسَ، بكت ضاحكةً عبر الزجاج..” (8).
في (الرباعية الثالثة)  يتخذ حسب إيقاعا محيرا، لأنه تنازل عن التقسيم الرباعي لصالح التذكرات المنثالة بحريّة، خالطا تفعيلاتِ أكثر من بحر. وكأنها عدوى مزج الأزمنة والأمكنة، التي قصدها في  كتابة مدوراته. كما أنه ظل السارد الداخلي لوقائع النص وأحداثه ومصائرها. ويكون استهلالها:
“أنا  الكوكب الأسود، انتشروا في المقاهي، اشربوا الشاي، وحدي أقهقه في وجه تمثالي الحجري. الصبايا النحيفات يرقبن في فندقمثقل بالثريات، يرسل برقية” (9).
وهي مكتظة بالرموز والأمثولات مختلفة المصادر، من أبرزها القارب الذهبي الذي يظن القرويون أنه كامن تحت التل، ولايظهر إلا ليلاً، والجنية ذات الشعر الذهبي التي يعتقدون أنها تعيش في قصرها الذهبي في أعماق الهور، وتختطف الصياد الذي لا يصل مع رفاقه، فتأسر زورقه بجدائلها (10).
 وأحياناً تشي عناوين القصائد المدورة باستراتيجية التدوير، وتَلازم البعد الفلسفي والإيقاعي فيها.. فهناك قصيدتا “الحانة الدائرية” و”الدورة” (11).
تبدأ قصيدة “الدورة” مثلاً بانتظار الباص باكراً، ما يمثل لحظة السرد المتحينة زمانياً، وتنتهي بإدراك آخر باص بعد سهرة ليلية، تتراءى فيها شخصيات تتضمن القصيدة أقولاً لهم، وضعها الشاعر بين قوسين، فكأنها عمل درامي يسوده الحوار غير المقنن، بل الخاضع للتداعي والدوران الحر في المكان والزمن أيضاً.
المؤثرات والدوافع
لوحة: عبدالباسط الخاتم
وإذا شئنا البحث عن المؤثرات الفاعلة في تجربة كتابة المدورات  التي دشنها حسب الشيخ جعفر نهاية عام 1969 وانصرف إليها تماما، وعكف عليها في السبعينات فسنجدها:
– أولاً: في الحنين واللهفة المفرطة في الجمع بين الأمكنة التي عاشها عابراً، وتلك التي سكنها وأقام فيها حاضراً. وانتهت تلك الرحلة من الماضي المكاني والزماني إلى الحاضر ببعديه، وإلى عودة للمكان الأول. فعاوده الاشتياق إلى تفاصيل الأمكنة التي عاشها مرتحلاً، وقارن أزمنتها بما حصل له في عودته. والعودة هي دوران في الزمان والمكان يناسبان التدوير كلعبة فنية  بوصف حسب الشيخ جعفر، لاستحضار الأزمنة والأمكنة في البؤرة الشعرية ذاتها، أي النص.
– ثانياً: في البحث عن موشور زمني ومكاني تنطلق منه القصيدة، وتدور في الزمان والمكان. وهنا نقترب من تجريب الكتابة بالتدوير.
– ثالثاً: الرغبة في اجتراح شكل مّا يكون حلاً لأزمة القصيدة الحرة (= التفعيلية) بعد أن تجاوز الستينيون من جيل حسب كتابتها، واستداروا لأشكال أكثر حداثة، أعني قصيدة النثر، إلى جانب التجديد في الشكل التفعيلي للقصيدة، وتهدئة موسيقاها، وتفتيت سطرها الشعري القصير وانطلاقاً صوب صفاء إيقاعي يهجر رتابة القافية وترددها المتواتر كعنصر موسيقي. وهو ما تمثله بوضوح ما وصلت إليه قصيدة سعدي يوسف.
– رابعاً: اتجاه حسب الشيخ جعفر إلى السرد في القصيدة وتخفيف غنائيتها. وهذا يتيحه الشكل المدور، باتساع سطره واستمراريته. فهو يتقبل التوسيع السردي  والنمو الذي تتطلبه آليات السرد وتَتابع أحداثه ووقائعه. فيضم السطر تلك الأسطر النثرية، ولكن في إطار التفعيلة التي تنتظم المدورات.
– خامساً: المؤثر الفلسفي الذي أتاحته تأملاته في شتات الأمكنة وتوالي الأزمنة، وانعكاساتها الوجودية على الإنسان وأفكاره. إذ كثيراً ما انشغل الفلاسفة الوجوديون والكتّاب المتأثرون بالفلسفة عموماً في أعمالهم، بتأمل المصائر والمشكلات المعرفية التي تثيرها تلك التأملات. وهذا ما يصرح به الشاعر  ويسمي مصادره إذ يقول:
“إن الدافع الأول إلى التدوير في القصيدة كان عندي دافعاً نثرياً، وليس شعرياً، إنّ ما دفع بي إلى التدوير هو ما كنت قرأت من أعمال بروست وسارتر..، ومسرحية ‘مابعد السقوط’ لآرثر ميلر، وعدد آخر من الكتابات الروائية” (12).
– سادسا: الموسيقي والثقافة  المرتبطة بها والتي اكتسبها خلال إقامته في موسكو (1959 – 1965) وحضوره الحفلات السيمفونية والأوبرالية، وتضمينه إشارات منها، ومن سماعه الشخصي للموسيقى الكلاسيكية في العديد من قصائده.
اعتاد حسب كما يعلن في مذكراته أن يواظب على حضور تلك الحفلات  خلال دراسته، وأفاد من تكرار لوازمها وتقسيمها الهارموني وتوزيعها، وبنائها النغمي في معمار قصيدته، حتى قبل تجاربه التدويرية، فهناك تَمثّل  للعودة والتقاطع والمزج و التنوع  والتصاعد الذروي في السمفونيات خاصة، والنهاية الساكنة بضربة قوية أو قَرار بالمصطلح الموسيقي.
– سابعا: يمكننا أن نعد شعر البند بهيئته السطرية وترابط تفعيلاته واستمرارية إيقاعه من المؤثرات في تجربة القصيدة المدورة شكلياً. فبين النوعين اختلاف في المحتوى والاستراتيجية النصية دون شك، لكن الشكل في النوعين لافت في تشابهه، ما يؤكد وجود البند مؤثراً واضحاً في التدوير. وربما  بسبب قراءة حسب لنماذج من شعر البند أتاحها كتاب عبدالكريم الدجيلي “البند في الأدب العربي” (1959). والبند يقوم  إيقاعياً على استمرارية وزنية سطرية لا شطرية. أي أنه يبدأ وينتهي دون توقف عند نهايات الأشطر. فيبدو البند أشبه بجملة شعرية واحدة (13).
لقد كان التدوير استمداداً من شعر البند الذي كتبه شعراء العصور المتأخرة كشكل وسيط بين الشعر والنثر، خاتمين فقراته المتصلة على السطر بأسجاع، كان تَباعدُها يضعف دوي القافية وموسيقاها الخارجية، ويمنحها وظيفة بصرية تتعين بالكتابة، ما جعل بعض العروضيين التقليديين يعدّونه نثراً فنياً.
– ثامنا: وهو يستجيب لرغبة الشعر في السرد الشعري، فكانت الحكاية مثلاً وتضمين الأساطير والخيالات الشعبية أحياناً جزءاً من شعرية القصائد المدوّرة. وهذا يؤكد أن النزعة الحكائية لدى حسب كانت من دوافع الاستمررية السطرية التي اقترحها التدوير. وربما نمت تلك الرغبة لتنحرف بنصوصه لاحقاً إلى نظم الحكايات وهو ما أوقف عيه شعره الأخير بعد مرحلة التدوير.
تاسعا: ختاماً أشير إلى سبب يصفه حسب بأنه “شخصي” لا ندري مدى أهميته في التجربة، كون الحدث يمكن أن تحتويه قصيدة غير مدورة أيضاً. والسبب الشخصي هو رؤيته لفتاة جميلة تعمل في مخزن باتا لبيع الأحذية ببغداد يصفها الشاعر بالقول “إن لها جمالاً تراجيدياً خارقاً يذكرني بالجمال البابلي القديم، وتايسيس في رواية أناتول فرانس التي أخذت في القصيدة وجهاً آخر.. وجه الصبية عبر زجاج المخزن” (14). والشاعر يتحدث هنا عن “الرباعية الثانية” التي كتبها عام 1970 في بغداد. يعد حسب وجه الصبية باعثاً على التدوير. لكننا نعلم أن “قارة سابعة” قصيدته المؤرخة في 1969 هي أول نص كتبه بطريقة التدوير. بينما كتب “الرباعية الثانية” بعد ذلك بعام. فهل  يقصد أن استقراره على التدوير كان بسبب رؤية جمال الفتاة؟
التلقي والقراءة النقدية
لا تزال قراءة المدوَّرات من قصائد حسب الشيخ جعفر  بعيدة عن مقاربة المشغِّلات الفلسفية للتجربة، ليس لأن الدوران الفكري مرتبط باختلاط الأزمنة والأمكنة: قديمة ومعاصرة، ما انعكس على البنية السطرية للمدوَّرات. ولكن لكونها تغاير ما عرف عن شعرية حسب المستندة إلى غنائيات وتقاليد تعود إلى تمسكه بوزنية خاصة وتقفية، تمثلان عصب الموسيقى الشعرية لديه. أما في المدوَّرات فقد لجأ إلى ضرب من الاستمرارية السطرية التي توجب على القارئ أيضاً أن يواصل القراءة دون توقف، مسافراً عبر هذه التنقلات الزمنية والمكانية، والصور التي تتمازج، محققة ما يصبو إليه من تمازج الزمان والمكان، كخطوة لاحقة على محاولة القبض عليهما في مرحلة القصيدة المدورة.
نقدياً تم استقبال تجربة التدوير بحذر، ولم تستوعب أغلب ما اطلعنا عليه من مقاربات تلك التجارب، وما كان حسب يفعله بأزمنة  القصائد وإسقاطها على الأمكنة والشخوص. وانتبهتْ أغلب القراءات  إلى  التمدد السطري في مدورات حسب، واستمرارية الجملة الشعرية، ولكن دون تأويل مغزى الدوران الفني  والفكري، وما يتطلبه جمالياً في القراءة.
لقد كان ما ورد في نازك الملائكة (15) في كتابها النقدي الرائد “قضايا الشعر المعاصر” في طبعته الثانية، وفي كتابها اللاحق “سايكولوجية القافية ومقالات أخرى”، من أكثر المناقشات اللافتة في رفضها للمحاولة، وقولها إن التدوير “يمتنع” في الشعر “الحر”، وهي ترفضه حتى في تجارب مخففة أولى سابقة على حسب، وغير ممتثلة للتدوير السطري تماماً. وتعكس من جانبٍ آخر رافضٍ للتجربة ما في المدورات من مزايا جمالية، استفزت الثوابت لدى نازك الملائكة، وتلك القواعد التي وضعتها لشعرية القصيدة الحرة.. وأهمها مخالفة  المدوّرات  لما يتطلبه موقف المشافهة والإلقاء، والتلقي الشفاهي (=السمعي). فالقراءة السطرية للمدورات تلغي البيت والجملة الشعرية المنتهية بدلالتها. وتقترح جملة شعرية طويلة هي في الواقع المحصلة الدلالية للنص، وانسجام إيقاعيته معها.
تستخدم نازك (16) مصطلحات مستمدة من المرحلة الشفاهية للقصيدة العربية والإلقاء كقناة توصيل، والسمع لا القراءة البصرية كوسيلة تلقٍ للنصوص الشعرية، ومن اعتقادها بأهمية الشطر الشعري والقافية التي تنتظم النص كرابط موسيقي، تؤذِن بانتهاء جملة وبدء أخرى. ولذلك تقول مثلاً إن التدوير قصيدة ذات شطر واحد “ينبو عن السمع”. وتقصد “السمع الموسيقي” كما تسميه، وتشخّص ما تصطلح عليه بـ”نفور السمع” لوجود هيئات نصية لا تراها ممتثلة للنظام الشطري .كما أن القصيدة المدورة  تتعب السمع، وتجعل التنفس صعباً لاسيما عند الإلقاء. ويتعب حتى من يقرأها قراءة صامتة (17). والتدوير عندها هو المنصوص عليه في كتب العروض  العربية القديمة، والمتصل فقط بشطري البيت كضرورة حين لا تكتمل التفعيلة، ويتعارض المستوى الخطي للشطر، مع المستوى الإيقاعي في البيت الموزون .
وحين تنسب للقصيدة المدورة “سلبيات” كما تسميها، تضع في مقدمتها: إن القصيدة المدوّرة تعتمد “الترادف السريع الذي يبعث على الملل والرتابة، ويتعب السمع.. ويضايق الحس الجمالي للقارئ” (18). وهي كلها حدوس وأحكام “جمالية” دافعها الذوق، ولا مجال للتحقق  النقدي منها. كما أنها تشخّص فنياً بعض السلبيات في القصيدة المدورة بحسب اعتقادها، ومنها أنها  قتلت تعدد الأشطر، وأجهزت على القوافي، وأشاعت جوّاً كابوسياً، وتركت أثراً نفسياً غريباً .وذهبت بعيداً في ربطها ما أسمته الذل السياسي بالخذلان واليأس في القصيدة المدورة، والضعف في مقاومة الاستعمار والاحتلال. واختارت قصيدة “أوراسيا” لحسب الشيخ جعفر مثالاً على خلو النص المدوّر من “الإرادة”،  وأن كاتبها “إنسان قلق مزعزع غير مستقر” يدل على ذلك خلو النص من القافية التي هي وسيلة قتالية كما تقول (19).
يتحصل من موقف نازك  من القصيدة  المدورة المكرر في كتابيها، أنها تقايس البنية السطرية والمضمون في القصيدة المدورة ولكن بأحكام استنبطتْها من الشعر التقليدي ذي الشطرين، دون التفات إلى  الحاجة النفسية للتدوير، وتجسيد إحساس الشاعر بالزمن وحركته. ولم تلتفت إلى ما يبرر الجملة المتصلة لدى حسب، وعدم انتهائها إلا بانتهاء القصيدة، لخلق الإحساس لدى القارئ بالاستمرارية الزمنية، ولربط التداعيات ببعضها، ومزجها لغوياً ليصل أثرها الفني والنفسي  كاملاً إلى القراءة.
خلاصة واستنتاجات
يتبين لنا أن تجارب حسب في القصيدة المدورة التي استغرقت عدة دواوين سببعينية، وتوقفت بصدور ديوانه “أعمدة سمرقند” المكرس للحكايات المنظومة، كانت اختياراً شعرياً استراتيجياً لا يتصل بتحويل بنية الجملة الشعرية من الشطر إلى السطر المتصل بسواه، بل هو موقف من الزمن ومحاولة أسره في قصيدة، تأخذ حركتها حرية تامة في الذهاب إلى أزمنة وأمكنة مختلفة.
وتولدت  نصوص القصيدة المدورة من إحساس الشاعر بأهمية السرد بدوران زمني ومكاني، ونزعة حكائية ستقوده إلى التجارب الوزنية اللاحقة، ومما يتأثث به الحس الزماني والمكاني من تفاصيل؛ كالشخصيات والمسميات والمراحل العمرية المختلفة. ونلاحظ اقتراب هيئة القصيدة المدورة من النثر شكلاً وبنية، وإن حافظت على الوزنية التي تفتت موسيقى تفعيلاتها ما يقترحه التدوير المتصل والسطرية من إيقاع خاص، يتمدد من البنية الفنية للنص إلى تقبله جمالياً عبر القراءة.
ويمكن الرجوع إلى اعتراضات نازك الملائكة لنجد أن أبرز أسبابها في رفض التجربة كون الهيئة الخطية للقصيدة المدورة شبيهة بالنثر في توزيع الأسطر وطريقة كتابتها، ولأنها ألغت النظام الشطري في الشعر “الحر” واستبدلت به الاستمرارية المناسبة للانتقالات الزمانية والمكانية، والتداعيات المتناثرة في النص والتي يربطها لغوياً وصورياً وإيقاعياً رابط فني، يتطلب براعة ودقة وجرأة على الشكل ومحتواه. وهو ما أنجزه حسب الشيخ جعفر في مرحلة القصيدة المدورة، وامتد أثره حتى اليوم في كتابة نصوص قصيدة النثر، فضلاً عن تأثر معاصريه بالشكل السطري، وحتى من لدن شعراء مكرسين، لهم تجاربهم السابقة على جيل حسب الشيخ جعفر
 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي