loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

معادلةُ الدنيا والآخرة وحَقيقتِهما .. في آخرِ رسائلِ الإمامِ الحُسينِ ع من كربلاء

breakLine

مِنْ وَحْيِ كَرْبَلاءِ -3

 

الشيخ محمود الجياشي / باحث عراقي

 

 

بعد أن إستقرّ ركبُ الحسين عليه السلام في كربلاء في اليوم الثاني من محرّم سنة ٦١ هجرية كتبَ عليه السلام هذه الرسالة الأخيرة لأخيه محمد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم ممّن تخلّفوا عن اللحاق به :

أمّا بعد .. فكأنّ الدُنيا لَمْ تَكُنْ .. وكأنّ الآخرةَ لَمْ تَزَلْ .. والسّلام .

أمام هاتين الكلمتين العظيمتين أحاول أن أدخل في صلب موضوع المقال مباشرة .. وأتجاوز جميع مقدّمات الصياغة البحثية !

هذه أقصر رسالة .. وأعظم صياغة .. وأعمق مضمون ..  يختصر فيه الحسين عليه السلام كل أركان منظومة المعرفة الدينية ومضامين الرسالات السماوية !!

بكلمتين حسينيتين فقط أُخْتُزلتْ كل تنظيرات الفلاسفة وتجاوز  الحسين عليه السلام جميع تفاصيل منظومتهم الوجودية !! وأمام هاتين الكلمتين الحسينيتين المُحْكَمتين تهاوَتْ
جميع  مكاشفات العرفاء ومنظومتهم الشهودية !!

يُصرّح الحسين عليه السلام في هذه الرسالة : أنه لم يكن في الدنيا .. لأنّ الدنيا لم تكن أصلاً !!  ... وأنه لم يفارق الآخرة لأنها لم تزل أصلاً !!

يتصاغر العقل والوجدان وجميع قوى الإدراك أمام العمق الهائل لهذا المضمون ! حيث يتداخل فيه عالمُ المُلك وعالمُ الملكوت .. ويتّحد فيه عالمُ الغيب مع عالم الشهادة في مشهد وجودي رهيب تذوب فيه جميع مراتب الوجود وتجلّيات الخليقة !! 
إذ كيف يكون الإنسان موجوداً في الدنيا وهو بالحقيقة في الآخرة ؟!! بل في نظره أن الدنيا لم تكن موجودة اصلاً !! وأن الوجود الحقيقي كان للآخرة التي لم تزل أصلاً !!

في هاتين الكلمتين يُفصِح  الحسين عليه السلام عن لحظة شهودية عظيمة ويختصر  الجواب حول التساؤلات والإعتراضات التي سمعها ممّن أشاروا عليه بعدم الخروج الى العراق .. ويعلن عن أعماق نهضته المباركة من حيث أنها ليست ذات طابع دنيوي إطلاقاً .. ولاعلاقة لها بحسابات الربح والخسارة الدنيوية التي ينطلق منها تفكير المعترضين على خروجه الى العراق !!
ولعلّ ذلك أحد أسباب تأخّر صدور هذه الرسالة منه عليه السلام حتى وصل الى كربلاء وأصبح مصيره حتمياً !

إنّ هذه الدنيا التي وصفها الحسين عليه السلام  ب ( لم تكن ) يصفها القرآن في قوله تعالى :

(( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ))

هذه حقيقة الدنيا في القرآن .. اللعب .. واللهو .. والزينة .. والتفاخر .. والتكاثر في الأموال والأولاد .. وأنها متاع الغرور  الذي سيكون حطاماً !! فكيف نتوقّع أن يكون الحسين عليه السلام في الدنيا فعلاً  ؟!!
إنّ هذا مستحيل بالنسبة لشخص مثل الحسين الذي يقول : شاء الله أن يراني قتيلاً ويراهنّ سبايا !! فالدنيا( لم تكن ) أصلاً في حسابات الحسين لكي نتصوّر أنه في الدنيا فعلاً !

ومن جهة أخرى يصف القرآن الآخرةَ بأنها ( دار الحَيَوان ) أي الحياة الحقيقية ! فكيف نتوقّع أنّ الآخرة وهي الحياة الحقيقية تكون مستقبلاً سيصله الحسين فيما بعد ؟!! كلاّ .. بل هو في الآخرة فعلاً .. لأنه حيّ بالحياة الحقيقية .. وفي نظره أنّ الدنيا لم تكن ... والآخرة لم تزل !!! وكأن رسالته حول الدنيا والآخرة تعبير آخر عن قوله تعالى :

((وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ))

هذه هي النظرة الحقيقية والواقعية لمعادلة الدنيا والآخرة في القرآن والتي صرّح عنها الحسين في رسالته الأخيرة لهؤلاء .. وهي على العكس تماماً من نظرة المتعلّقين بالدنيا والذين تدور حساباتهم حول الربح والخسارة الدنيويتين .. فعند هؤلاء ( الدنيا لم تزل ) .. ( والآخرة لم تكن ) !! أو نعكس التعبير القرآني حسب نظرتهم .. فتكون ( الدنيا هي دار الحيوان ) و ( الآخرة لعب ولهو ) !! وذلك هو الخسران المبين .
قال تعالى : (( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ... ))

في ضوء ذلك فإن كربلاء ليست ميداناً لأهل الدنيا إطلاقاً .. لأن الدنيا وكربلاء ضرّتان لاتجتمعان !! كربلاء وعاشوراء ليست لهواً ولعباً وغروراً وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد لكي تجتمع مع الدنيا !! هناك تنافر وجودي وتكويني بين كربلاء والدنيا !! 
الحسين عليه السلام وأصحابه الأبرار حتى لو كانوا في الدنيا ظاهراً لكنهم في الوقت نفسه في الآخرة ولم يغفلوا عنها .. وليس هم من الذين :

(( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ )) 
بل هم في الآخرة حقيقة ولم يغادروها لحظة !
فمن أراد أن يزور كربلاء لابدّ أن يدرك أن هذه الزيارة في حقيقتها خروج من الدنيا الى الآخرة .. خروج من دنيا شهواتنا وأهوائنا وأنفسنا الأمّارة بالسوء الى حياة الآخرة الحقيقية عند الحسين عليه السلام ... وكلّ من يريد أن يتشرّف بالدخول الى حرم كربلاء لابدّ أن يعتبر أنّ رسالة الحسين عليه السلام موجّهة له مباشرة : كأنّ الدنيا لم تَكُنْ .. وكأنّ الآخرة لم تَزَل ! والسّلام .

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي