loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

من هكتور إلى جسّاس

breakLine
13 2021-10-13

 

د. سعيد الغانمي - كاتب عراقي

لسنا معنيِّين بالملحمة هنا، بل بالحكاية البطوليَّة، وهي حكاية تحتفل بانتصار بطلٍ أو ثقافةٍ أو مدينةٍ أو قبيلةٍ على غيرها، ويمكن في الوقت نفسه أن تكون مادَّة حكائيَّة تدخل في نسيج ملحمةٍ لاحقةٍ عليها ذات يوم. وعلى النَّحو نفسه، فإنَّ الملحمة تتكوَّن من عددٍ من الحكايات البطوليَّة التي تُعيد الملحمة بناءَها، بعد أن تنسبَها إلى بطلٍ واحدٍ، وتجعلها تدور حول حبكةٍ واحدةٍ. ومن هنا نستطيع أن نتحدَّث عن بعض الملاحم، وأعني في هذه الفقرة "الإلياذة" بالتَّحديد، لا من حيث هي ملحمة مكتملة، بل من حيث انطواؤها على حكاية بطوليَّة، أو بعبارة أدقَّ من حيث بناء الحكايات المتعلِّقة بهكتور فيها. فهكتور في "الإلياذة" هو البطل السَّلبيُّ الذي أخفقت بطولتُهُ، وتسبَّبَ اندفاعُهُ ورعونتُهُ في أن يُثير غضب أخيل، بطل الملحمة من الجانب الآخيِّ، فيقتله، ويسحب جثَّتَهُ، ويدمِّرَ طروادة في نهاية الأمر.
ولعلَّ القارئ الذي اطَّلع على الملحمة يتذكَّر أنَّ باتروكلوس، الأخ الأصغر للبطل أخيل، كان قد توسَّلَ بعد أن رأى أنَّ الطرواديين يوشكونَ على سحق جيش الآخيِّين، إلى أخيه لكي يعطيَهُ درعَهُ وأسلحتَهُ، فيتصوَّر الطِّرواديِّون أنَّ أخيل قد جاء لمحاربتهم بنفسه، فينخذلون ويولُّون الأدبار. وقد استطاع باتروكلوس حقّاً جندلةَ عددٍ من أبطال طروادة. فاحتالت الآلهة على هكتور، وأخبرتْهُ أنَّ أبولون بن زيوس سوف يرضى ويهبُهُ المجد والنَّصر إذا هو أقدم على مبارزة باتروكلوس. وفعلاً، أفلح هكتور في جندلة باتروكلوس، وأخذ منه الأسلحة الخالدة التي كان يرتديها أخيل. ولمّا سمع أخيل بنبأ مقتل أخيه الصَّغير، استبدَّ به الحزن، وأقسمَ على تمزيق جثَّة هكتور أشلاءً. وفي ساحة المعركة، اندفع أخيل نحو هكتور، وتقاتلا قتالَ بطلَينِ، والتَقَيا التقاءَ جبلَينِ، مثلما في الملاحم والسِّير الشَّعبيَّة، حتّى تمكَّن أخيل أخيراً من القضاء على هكتور، ولم يرفقْ بتوسُّلاته. ثمَّ ربط جثَّتَهُ إلى عربتِهِ، وسحبَهُ أمام أنظار الطِّرواديِّين، بمن فيهم أبوه الملك بريام، الذي كان يتطلَّع من أعلى سور طروادة، حتّى أوصله إلى خيام الآخيِّين. وكان أخيل يزمع أن يترك جسدَهُ طعاماً للكلاب.
شقَّ على أبيه الملك بريام أن يرى جثَّة بطل طروادة تُهان بهذا الشَّكل، ولا تتلقَّى ما يليق بها من تكريمٍ. وقرَّر في دخيلتِهِ أن يستردَّها بأيِّ ثمن. وبالطَّبع، كانت الآلهة ترافق خطاه، كما هي عادتها مع شخصيّات الملحمة. وكمن يُقدِمُ على الموت، ترك مرافقيه، وتسلَّلَ صوب سفن الآخيِّين وخيامهم على الشاطئ. حينئذٍ يتحقَّق مشهدٌ من أغرب المشاهد في "الإلياذة"، لأنَّ بريام كان بوسعه قتل أخيل، الذي لم يكدْ يفرغ من الطَّعام حتّى اقتحمَ عليه الملك المكلوم عزلتَهُ. وفي المقابل، كان بوسع أخيل أن يُلحقَ ملك طروادة بابنه. لكنَّ بريام اندفع إلى يدي أخيل يقبِّلُهما. واستجاب أخيل لكبرياء الأبوَّة الجريحة على صخرة اندفاعِهِ وتعصُّبِهِ. وبدلاً من أن يتقاتل الخصمانِ، فقد أكرم أخيل وفادة الشَّيخ الملك، واستجابَ لطلبِهِ في أخذ جثَّة ابنه لتلقى ما يليق بها من تكريمٍ بين أهله ومحبِّيه في مدينتِهِ.
تنتهي ملحمة "الإلياذة" الموجودة الآن بـ"مراسم دفن هكتور، مروِّض الخيول"، لكنَّنا نعرف من مصادرَ أخرى أنَّ الآخيِّين انسحبوا إلى سفنهم، وتركوا وراءَهم حصاناً خشبيّاً عملاقاً، عبَّأوه بالمقاتلين. وكان الطِّرواديُّون، مروِّضو الخيول، كما تسمِّيهم الملحمة، ممّن يقدِّسون الخيول، فاعتقدوا أنَّه هديَّة الآلهة لهم، وسحبوه إلى داخل أسوار طروادة. وما كاد يجنُّ اللَّيل، حتّى تململ الأبطال في داخل الحصان الخشبيِّ وخرجوا. وهكذا فتحوا أبواب الأسوار العملاقة لجموع الآخيِّين، التي اقتحمت المدينة، وقتلتْ رجالَها، وسبتْ نساءَها، وأحرقتها ودمَّرَتْها.
وإذا كان بالإمكان وصف أخيل بأنَّه بطل "الإلياذة"، فإنَّ هكتور هو البطل السَّلبيُّ. فهو الشَّخصيَّة الرَّئيسة في طروادة، ولعلَّه أكثر حضوراً في أحداث الملحمة من أخيل نفسه. لكنَّ الآلهة احتالت عليه، وجعلته يتهوَّر في ارتكاب الأخطاء القاتلة، التي أضرَّت به هو شخصيّاً في البداية، ثمَّ تسبَّبت في دمار طروادة لاحقاً. وقد اقترف هكتور هذه الأخطاء نتيجة عصبيَّتِهِ وتهوُّره وثقته العالية بالنَّصر بمعزل عن إرادة الآلهة. فاستدرجتْهُ الآلهة إلى حتفِهِ، وجعلته يقتل باتروكلوس، ممّا أشعل غضب أخيل عليه، وأزمع الانتقام لقتل أخيه والتَّمثيل بجثَّة هكتور بعد قتله. وهكذا قتل هكتورُ فتىً أصغرَ منه سنّاً بكثيرٍ، ليقتله بطل الآخيِّين الكبير أخيل.
من ناحيةٍ أخرى، يظهر ملك طروادة الشَّيخ بريام، وكأنَّه قد اعتزل الحرب، وظلَّ يراقبُها من خلال مرقبِهِ من أعلى أسوار طروادة. وحين رأى جثَّة ابنه يُمثَّلُ بها، فقد أراد استردادها. فسلكَ طريقَهُ نحو خيام الآخيِّين، حتّى وقف وجهاً لوجهٍ أمام أخيل. وبدلاً من أن ينتهز الفرصة لقتلِهِ، فقد صار يتوسَّل إليه. وفي المقابل، تجاوب أخيل مع هذا الاحترام الكبير لمبدأ الكلمة، فأوعز بتسليمِهِ جثَّةَ ابنه لتحظى بالتَّكريم اللائق.
وقبل أن نستخرج نظائر هذه الوقائع في الحكاية البطوليَّة العربيَّة عن "حرب البسوس"، نودُّ أن نشير إلى أنَّ "حرب البسوس" ليستْ ملحمةً، كما هو الحال مع "الإلياذة"، بل هي حكاية بطوليَّة أصغر حجماً من الملحمة بكثيرٍ، وأقلُّ أحداثاً. وقد أشرنا إلى أنَّنا لا نتناول "الإلياذة" من حيث هي ملحمة كاملة، بل من حيث انطواؤها على الحكاية البطوليَّة عن هكتور على وجه التَّحديد. مع ذلك فإنَّ "حرب البسوس" هي "الإلياذة الصُّغرى" عن حروب الصَّحراء العربيَّة. ومن حيث هي حكاية بطوليَّة، فهي تنطوي مثلها على بطلٍ وبطلٍ مضادٍّ وشيخٍ أراد الإصلاح، وتوقَّف عن القتل، ولكنَّه لم يفلحْ. وبالتالي فنحن في غنىً عن التَّأكيد بأنَّنا لا نقارن ملحمة الإلياذة بحرب البسوس، بل نقارن الحكاية البطوليَّة عن هكتور بالحكاية البطوليَّة عن جسّاس. ونؤكِّد أنَّ من المستبعد تماماً انتقال نصِّ الملحمة الإغريقيَّة إلى البيئة العربيَّة، لكنَّنا يمكن أن نتصوَّرَ انتقال نوعٍ من التَّقاليد الأدبيَّة، سواء أكان ذلك من البابليِّين أو الحيثيِّين أو الإغريق، على نحوٍ مباشرٍ أو بالوساطة، بما يسمح بإدخال بعض التَّكييف والتَّعديل. وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ انتقال النُّصوص يستدعي ثباتها، في حين أنَّ انتقال التَّقاليد يُتيح نوعاً من المرونة بحيث تتكيَّف النُّصوص بما يناسب البيئة الجديدة التي تنتقل إليها.
كما ينبغي أن نضع في اعتبارنا أنَّ ملحمة "الإلياذة" نصٌّ مكتوبٌ، وقد وصلنا بعد أن قطع عشراتِ القرون من النَّقل الشَّفويِّ والكتابيِّ. في حين لم يصلْنا من "حرب البسوس" سوى عددٍ من النُّصوص الشَّفويَّة التي ظلَّت تتغيَّر باستمرار، ولم يجرِ تثبيتُها إلّا في العصر العبّاسيِّ باعتبارها رواياتٍ شفويَّة. وقد وصلتنا منها أربعُ رواياتٍ هي على التَّوالي؛ رواية ابن الكلبيِّ، ورواية المفضَّل الضَّبِّيِّ، ورواية محمَّد بن إسحاق، ورواية أبي عبيدة. ولفَّق الرُّواة المتأخِّرون، مثل الأصفهانيِّ وابن عبد ربِّهِ وابن الأثير وغيرهم رواياتهم من مجموع هذه الرِّوايات الأربع المذكورة. وتركِّز بعض هذه الرِّوايات على تسلسل الأحداث في الحكاية، في حين تركِّز رواية أخرى، كالتي في كتاب "أمثال العرب" للمفضَّل الضَّبِّيِّ، على الصِّيغ الشَّفويَّة في نقلها، ولا سيَّما في الأمثال الورادة فيها.
كان كليب بن ربيعة زعيم قبيلة تغلب، وبعد انتصارِهِ على القبائل اليمنيَّة في معركةٍ يُطلقُ عليها الإخباريُّون اسم "يوم خَزّاز"، "اجتمعتْ عليه معدٌّ كلُّها، وجعلوا له قَسَمَ الملكِ، وتاجَهُ وتحيَّتَهُ وطاعتَهُ. فغبرَ بذلك حيناً من دهرِهِ، ثمَّ دخله زهوٌ شديدٌ، وبغى على قومِهِ لما هو فيه من عزَّةٍ وانقيادِ معدٍّ له، حتّى بلغَ من بغيِهِ أنَّه كان يحمي مواقعَ السَّحاب، فلا يُرعَى حماه، ويجيرُ على الدَّهر فلا تُخفَرُ ذمَّتُهُ". وكان إلى جوار قبيلتِهِ وائل قبيلة شيبان، وهم مرتبطون بروابط الزَّواج والنَّسب. وقد تزوَّج كليب نفسه من جليلة بنت مرَّة، كبير شيبان.
لم يكنْ كليب يسمح لأحدٍ من جيرانه بأن يتركَ نياقَهُ ترعى في مناطقِ مراعي إبلِهِ. وفي ذات يومٍ نزلت خالة جسّاس بن مرَّة بهم، واسمُها البسوس، وكان لها ناقةٌ اسمها سراب، تركتْها ترعى في تلك المنطقة، فاختلطتْ بإبل كليب. فلمّا رآها استغربَها، وتناولَ سهماً ورماها في ضرعِها، فنفرَتِ الناقةُ والدَّم يسيلُ من ضرعِها. وحين رأتْها البسوس، جُنَّ جنونُها، وقذفتْ خمارَها عن رأسِها وصاحتْ: وذُلّاه، وا جاراه!. وهذه كلمة استصراخ لإثارة حميَّةِ جسّاس. فطمأنَها جسّاس بأنَّه انتقاماً لكرامتها سوف يقتل "جملاً أعظمَ من هذه الناقةِ". كان لدى كليب فحلٌ اسمُهُ غلال، وفي الظاهر سيفهم السامعون من كلام جسّاس أنَّه سوف يقتله، لكنَّه في حقيقة الأمر قصد كليباً نفسه.
في ساعة الغضب، تتصاعد النَّخوة على نحوٍ مثيرٍ. ذهب جسّاس وأحد أصدقائه إلى كليبٍ، وأرادا عتابَهُ، فقال جسّاس: "يا أبا الماجدةِ، عمدتَ إلى ناقةِ جارتي فعقرتَها؟ فقالَ له: أتُراكَ مانعي أن أذبَّ عن حِمايَ؟". لم يكن كليب يتصوَّر أنَّ أحداً يجرؤ على قتلِهِ لأنَّه أصابَ ناقةً، ولم يكن يحملُ سلاحاً. وما كاد كليب يدير ظهرَهُ حتّى طعنه جسّاس من الخلف فقصمَ صلبَهُ. وقعَ كليبٌ على الأرض وحاول الاستعانة بجسّاس، لكنَّ جسّاساً كان في غاية النَّذالة، ولم يراعِ أواصر النَّسب بينَهما. ولم يكنْ في حسبان أحدٍ في الصَّحراء العربيَّة كلِّها أن يتصوَّر أن يُقتَلَ ملكُ معدٍّ كليب بن ربيعة ثأراً لكرامةِ ناقة.
لم تقبلْ قبيلة شيبان أن تسلِّمَ جسّاساً، وزعمتْ أنَّه هرب، وعرضتْ تقديم ديةٍ ألفَ ناقةٍ من الإبل، ممّا أغضب أهلَ كليبٍ وأخوتَهُ. أمّا جليلة بنت مرَّة، زوجة كليب وأخت جسّاس، فلم يعدْ بوسعها البقاء مع أهل زوجِها بعد أن قتلَ أخوها زوجَها. فذهبتْ إلى أهلها، وكانت حاملاً من كليب، ووضعتْ بعد شهورٍ قليلةٍ ولداً سمَّتْهُ "الهجرس"، ربّاه خالُهُ جسّاس، دون أن يعلم أنَّ خالَهُ قتلَ أباه.
لم يكن يخطر على بالِ أحدٍ في الصَّحراء أنَّ كليباً سيِّدَ معدٍّ يمكن أن يقتله جسّاس غيلةً. وقد ربطتْ صداقة بين عديِّ بن ربيعة، أخي كليب المعروف بالمهلهل، وبين همام بن مرَّة، أخي جسّاس. وبينما كانا يضربانِ القِداحَ، "وكانا متصافيينِ متوافقينِ، لا يكتمُ واحدٌ منهما صاحبَهُ شيئاً أبداً". وبعد أن قتلَ جسّاس كليباً، وتركه يتخبَّطُ بدمِهِ، دنا جسّاس من همام، وهمسَ بأذنِهِ شيئاً، ثمَّ انصرفَ مستعجلاً، فتغيَّرَ لون همام. وحين سأله عديٌّ عن سبب اضطرابِهِ أجابَهُ همام قائلاً: "أخبرَني أنَّه قتلَ كليباً. قال له مهلهل: آستُهُ أضيَقُ من ذاك. فأرسلَها مثلاً"؛ أي أنَّ الجرأة لا تواتيه على فعلِ أمرٍ خطيرٍ كهذا.
بعد اتِّضاح مصرع ملكِ معدٍّ، كان لا بدَّ لأخوتِهِ وأهلِهِ من الأخذ بثأره. وقد أسرف عديُّ بن ربيعة في قتل أفراد قبيلة بكر انتقاماً لمقتلِ أخيه. وبعد مقتل همام بن مرَّة، تزعَّمَ الحارث بن عُباد، وهو شيخٌ مهيبٌ، قبيلة بكر. لكنَّه رفضَ الانخراط في سلسلة الأحقاد المجانيَّة بين بكر وتغلب، وقال: لا ناقةَ لي فيها ولا جمل، لأنَّه استعظمَ قتل كليبٍ من أجلِ ناقة. مع ذلك لم يراعِ عديّ بن ربيعة المهلهل اعتزالَهُ الحربَ، وحين رأى ابنَهُ الغلام بُجَير بن الحارث، قتلَهُ شرَّ قتلة. فلمّا سمع الحارث بن عُباد بمقتل ابنه، تصوَّر أنَّ الحرب وضعت أوزارَها بمقتله، وأنَّ القوم اكتفوا بقتله، وقال: نعْمَ الغلامُ غلامٌ أصلحَ بين ابني وائل. فقيلَ له: بل قال له المهلهل: بُؤْ بشسْعِ نعلِ كليبٍ، أي أنَّ مقتله لا يعادلُ رباطَ نعلِ كليب.
لم يعد أمام الحارث من خيارٍ سوى الانخراط في سعير المعارك الملتهبة بين القبيلتين. لم يكنْ قد رأى المهلهل من قبلُ، لكنَّه في إحدى الوقائع أسرَ فتىً كان يقاتل بضراوةٍ، ولم يقتلْهُ، بل قال له: دلَّني على عديِّ بن ربيعة. وعديّ هو المهلهل نفسه. فقال له عديٌّ: وما لي إن دللتُكَ عليهِ؟ قال: أُخلِّي عنك. فلمّا استوثقَ منه وحلفَ له، قال له: أنا عديُّ بن ربيعة، فطلبَ منه أن يدلَّه على امرئٍ شريفِ النَّسب يليقُ بأن ينتقمَ منه نظيرَ مقتل ابنِهِ بُجَير، وأطلقَهُ.
في كتاب "مفاتيح خزائن السَّرد"، قارنتُ بين لقاء الحارث بن عباد بعديّ بن ربيعة، قاتل ابنه بجير، وبين لقاء بريام ملك طروادة بأخيل، قاتل ابنه هكتور، وتساءلتُ: "كيف يمكن لبطلٍ أن يتخلَّى عن خصمِهِ الذي يبحث عنه، وهو يعلم أنَّه قتلَ ابنَهُ؟ لقد تقابَلَ الجَيشانِ ليَتَقاتَلا، لا ليَتَسامَحا". مع ذلك، يعفو الحارث عمّن قتل ابنه احتراماً لمبدأ الكلمة الذي سبق منه، تماماً كما تسامح بريام مع أخيل، وأخيل مع بريام. "في اللِّقاءَينِ معاً، لقاء الحارث بن عُباد، كبير قومه، بالمهلهل أو عديِّ بن ربيعة، قاتل ابنه بُجَير، ولقاء برياموس، ملك طروادة، بأخيلوس قاتل ابنه هكتور، ثمَّة احترام مهول للكلمة، يدفعُ إلى احترامِ العدوِّ، ويجبرُهُ على تبنِّي موقف احترام من ضحيَّتِهِ نفسِها".
مهما يكنْ من أمر، فقد تمكَّن جسّاس من الإفلات، لكنَّ المصير المأساويَّ مع ذلك بقيَ يتربَّص به. فهو قد اصطحبَ معه أختَهُ جليلة زوجة كليب. وقد ربّى ابنَها كأحسن ما تكون التَّربية. وكان هذا خطأً آخرَ ارتكبَهُ من أجل تصحيح خطأه السابق في قتل كليب. إذ لم يعرف الهجرس أباً سوى جسّاس، حتّى أنَّه زوَّجَهُ ابنتَهُ، ولم يدرك الفتى أنَّ جسّاساً ليس أباه، بل هو في الحقيقة قاتلُ أبيه. ولكنْ من الصَّعب كتمان أمرٍ خطيرٍ كهذا إلى الأبد. وفي ذات يومٍ وقع بين الهجرس وبين أحد البكريِّين تلاسنٌ، "فقال له البكريُّ: ما أنتَ بمنتهٍ حتّى نُلحِقكَ بأبيكَ. فأمسكَ عنه ودخلَ إلى أُمِّهِ كئيباً حزيناً، فأخبرَها الخبرَ". غير أنَّ أُمَّهُ لم تفشِ سرَّ قتل أخيها أباه لابنها. أمّا زوجتُهُ ابنة جسّاس فقد أدركت بفطنتها سرَّ قلقِهِ، "فقصَّت على أبيها جسّاس قصَّتَهُ، فقال: ثائرٌ وربِّ الكعبة".
من الواضح أنَّ الهجرس بلغ سنَّ النُّضج، وصارت أعراف القبيلة تطالبُهُ بالثَّأر من قاتل أبيه، وصار يعرف أنَّ قاتله هو خالُهُ الذي ربّاه واحتضنَهُ وزوَّجَهُ ابنتَهُ. حاول جسّاس أن يبرِّر الأمر له، وأن يعتذر بالمعارك التي حصلت سابقاً: "إنَّما أنتَ وَلَدي، ومنِّي بالمكانِ الذي قَد علمتَ، وقد زوَّجْتُكَ ابنتي وأنْتَ مَعي، وقد كانَتِ الحربُ في أبيكَ زَماناً طويلاً حتّى كدْنا نَتَفانى، وَقَدِ اصطَلَحْنا وتحاجَزْنا. وَقَد رأيتُ أن تدخلَ فيما دخلَ فيهِ الناسُ من الصُّلْحِ، وأن تنطلقَ حتّى نأخذَ عليكَ مثلَما أُخِذَ منّا على قومِنا". اتَّفَقَ الطَّرَفانِ على أن يؤدِّيَ الهِجْرِسُ قَسَمَ الموادعَةِ وطقسَ اليمينِ وعليه درعُهُ وبيدِهِ رمحُهُ. وقبل أن يتناول الهِجْرِسُ صحْنَ الدَّمِ، ويؤدِّيَ اليمين ليدخلَ في العقد، أمسَكَ برمحِهِ من وسطِهِ وأقسمَ قائلاً: "وفَرَسي وأُذنَيهِ، ورُمْحي ونصلَيهِ، وسيفي وغِرارَيهِ، لا يتركُ الرَّجُلُ قاتلَ أبيهِ وهو ينظرُ إليهِ. ثمَّ طعنَ جسّاساً فقتله. ثمَّ لحقَ بقومِهِ. فكانَ [جسّاس] آخرَ قتيلٍ في بكر بن وائلٍ".
لقد ابتدأت حرب البسوس بقتل جسّاسٍ لكليب، وانتهتْ بقتلِهِ هو على يد الهجرس بن كليب. وهكذا كان جسّاس أوَّلَ الحربِ وآخرَها. ونحن نعرف أنَّ هكتور ظهر على أسوار طروادة بوصفِهِ قائدَ الطِّرواديين منذ الصَّفحات الأولى من الملحمة، مع أنَّه لم يكنْ سببَ الحربِ، بل سببُ الحربِ هو أخوه ألكسندروس، الذي اختطفَ الحسناء الآخيَّة هيلين. لكنَّ الحرب انتهتْ بمقتل هكتور، وبعد موتِهِ بقليلٍ، تمَّ احتلال طروادة. وكلاهما جلبَ الدَّمار على مدينتِهِ وقبيلتِهِ برعونتِهِ وتهوُّرِهِ.
على أنَّ التَّشابه بينهما لا يقتصر على الرُّعونة والتَّهوُّر، بل يمثِّل كلٌّ منهما صورةً مقلوبةً للآخر. إذ حرصتِ الملحمة على تصوير قتل هكتور للغلام باتروكلوس، ممّا أثار غضبَ أخيه الملك أخيل وعرامَهُ، ودعاه في النِّهاية إلى قتل هكتور والتَّمثيل بجثَّتِهِ. في المقابل، قتل جسّاس الملك كليباً غيلةً، ممّا أغضبَ ابنه الغلام الهجرس بعد أن كبر، واضطرَّه إلى الانتقام من قاتل أبيه بطريقةٍ مأساويَّة. وهكذا قتل هكتور غلاماً، ليقتلَهُ ملكٌ شجاعٌ، في حين قتل جسّاس ملكاً اغتيالاً، ليقتله ابنُهُ الغلامُ بعد أن كبرَ. وبالتالي فجسّاس صورةٌ مقلوبةٌ زمنيّاً من هكتور.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي