مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سندس علي/كاتبة إيرانية
تنهد فنجان القهوة، وهو مُرتَمٍ منذ الصباح فوق الطاولة الخشبية بمحاذاة حائطٍ ظهرت في جسده شقوقٌ جعلته أشبه بخريطةٍ بالية.
تمتم بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع:
ـ لقد تأخرت كثيرًا اليوم عن موعدها المعتاد... لماذا لم تأتِ؟
في كل صباح كانت تجلس هنا، بقربي، ملاصقةً لي، تنفث عطرها الأخّاذ على وجنتيّ، فتضطرب القهوة في أعماقي وتتراقص قطراتها خجلًا وارتباكًا.
آه... كم أعشق رائحة أنفاسها الكثيفة حين تمتزج بدخاني المتصاعد من قاعي. كانا يلتقيان في الهواء، يتشابكان ويرقصان معًا في خفةٍ ووئام، ثم يحتضن أحدهما الآخر برفقٍ وسكينة.
أغمض فنجان القهوة عينيه، وقد أحاطت الكآبة بفوّهته، وأخذ يستعيد أول لقاء جمعه بالسيجارة.
كان ذلك في مساء شتوي ممطر. كانت تتهادى برشاقةٍ وهي تلف وشاحًا أبيض تتخلله خيوطٌ بنية حول عنقها الطويل.
جلست بصمت.
لم تنبس شفاهها الكرزية بكلمةٍ واحدة، بل كان الدخان المنبعث منها هو اللغة الوحيدة التي تروي أوجاعها الخفية وأسرارها الدفينة.
أما أنا، فكنت آنذاك كغيري من الفناجين المصطفة فوق الطاولات، أنتظر من يلامسني بشفتيه ويرتشفني حتى آخر قطرة، فأشعر بالسعادة لأنني أؤدي ما خُلقت لأجله.
في الحقيقة، إن الاعتياد على أداء الوظيفة التي خُلقت من أجلها يشبه رسالةً مقدسة، وصوتًا لا يتوقف عن الترديد داخل أعماقك، يهمس تارة ويصرخ تارة أخرى، مطالبًا إياك بالامتثال لما كُتب لك.
لذلك كنت ممتنًا دائمًا لكل فمٍ ارتشفني، ولكل يدٍ حملتني في صباحاتها وأمسياتها.
لكن دعوني أعود إلى تلك اللحظة الفاصلة من حياتي...
نعم، إلى اللحظة التي جلست فيها بصمت، وأخذت تنفث دخانها حتى خُدّرت أحاسيسي، وارتبكت مشاعري، وتسارعت أنفاسي.
ظللت أتساءل:
كيف تستطيع أن تجعلني ثملًا ومشتعلًا ومضطرب الفكر؟
أنا فنجان القهوة المعروف بالرصانة والتركيز واليقظة والدقة، فما الذي حلّ بي منذ جلست إلى جواري؟
تمايلت من مكاني دون أن شعر، فاصطدمت بطفايتها بقوة.
ارتجفت.
ثم انسكبت القهوة من داخلي، وساحت فوق المفرش الأبيض المفروش على الطاولة الخشبية.
راحت البقع البنية الداكنة والفاتحة تتشكل في هيئاتٍ غريبة؛ بعضها يشبه عكازاتٍ مهجورة، وبعضها أغصانًا يابسة وأوراقًا صفراء ذابلة. وفي إحدى الزوايا ظهرت فراشة باسطة جناحيها، يتوسطهما قلبٌ صغير.
حدقت طويلًا في تلك الرسوم، ثم تساءلت بدهشة:
كيف استطعت أن أرسم هذه اللوحة المدهشة؟
كيف عشت كل هذه السنوات دون أن أجرؤ على تحرير قهوتي لتنسكب فوق البياض، فتروي حكاية انكساراتها وآلامها وأحلامها كما فعلت الآن؟
لقد ارتشفتني أفواه كثيرة؛ صغيرة وكبيرة، ومررت بأيدٍ لا تُحصى، وشهدت أحاديث وضحكات ووداعات لا تنتهي. لكنني، للمرة الأولى، وجدت نفسي الضائعة وروحي العطشى في هذه اللحظة بالذات... في اللحظة التي ارتجف فيها جسد السيجارة، ثم استرخى ببطء ليلامس جسدي الحارق.
حينها فقط أدركت أن بعض اللقاءات لا تُشعل النار في الأشياء، بل تكشف النار الكامنة فيها منذ زمن.
مرت الأيام بعد ذلك متشابهة.
كانت تأتي كل صباح، تجلس إلى جواري، وتنفث دخانها في الهواء، فأرسل إليها بخار قهوتي. نلتقي قليلًا ثم نفترق، ونعود في اليوم التالي لنكرر الطقس ذاته.
كنت أظن أننا نعيش حكاية حب.
وكنت أظن أن الدخان الذي يلتف حول بخاري ليس سوى عناقٍ أبدي.
إلى أن جاء ذلك الصباح... بدت شاحبة على غير عادتها؛ قصيرة أكثر، هزيلة أكثر، وكانت النار تلتهم ما تبقى من جسدها بصمت.
شعرت بالخوف عليها، وتمنيت لو أستطيع أن أصرخ:
توقفي... اهربي... لا تتركي النار تسرقك مني.
لكنها التفتت نحوي فجأة، وكأنها سمعت ما يدور في أعماقي، أطلقت ضحكة خافتة، ثم قالت:
ـ ولماذا تشفق عليّ؟
ارتبكت.
تابعت وهي ترسل خيطًا أخيرًا من الدخان:
ـ أنا أحترق من الخارج، وأفنى أمام عينيك. أما أنت فتُستنزف من الداخل قطرةً قطرة. أنا أموت دفعةً واحدة، وأنت تموت على مهل.
صمتُّ. ولأول مرة منذ عرفتها لم أجد جوابًا.
وفي تلك اللحظة امتدت يدٌ بشرية، التقطتها بين أصابعها، وضغطتها في الطفاية حتى انطفأت آخر جمرة في جسدها. لم تصرخ، لم تقاوم، تحولت إلى رمادٍ صامت.
شعرت بفراغٍ هائل يبتلعني.
لكن اليد نفسها عادت بعد لحظات، أمسك بمقبضي، ورفعتني عن الطاولة. للحظةٍ ظننت أنها ستأخذني بعيدًا عن هذا الحزن، إلا أنها أفرغت ما تبقى مني في المغسلة، ثم أعادتني باردًا فارغًا إلى مكاني.
اختفى دخانها، واختفت قهوتي، وغادر صاحب اليد المقهى دون أن يلتفت إلينا.
عندها فقط فهمت... لم تكن بيننا قصة حب كما تخيلت. لم يكن بخاري يعانق دخانها، ولا كانت أنفاسها تبحث عني. كنا معًا مجرد عادتين متجاورتين على طاولة واحدة؛ هي تحترق لتمنحه لحظة هدوء، وأنا أُستنزف لأمنحه يقظة عابرة. وحين انتهت حاجته إلينا، تركنا خلفه بلا اكتراث.
نظرت إلى الطفاية، كان الرماد ما يزال دافئًا. ونظرت إلى قاعي، كان فارغًا تمامًا.
لأول مرة لم أحزن عليها، بل حزنت علينا معًا. فقد أمضينا عمرًا كاملًا نظن أننا نعيش لأجل الحب... بينما كنا نفنى، بصمت، لأجل رغبة شخصٍ آخر.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي