مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حيدر كاظم الحسيناوي/كاتب عراقي
في طفولتنا، كنّا نظنُّ أن من يذهب إلى شارع المتنبي لا بدّ أن يحمل “جوازًا ثقافيًا” غير مرئي، وأن يضمَّ إلى صدره كتابًا، ويرتدي بدلةً أنيقة، وتعلو رأسه قبعةٌ تشبه قبعات الكُتّاب في الصور القديمة.
كنّا نتخيّل روّاده كائناتٍ خارجة من بين رفوف المكتبات؛ يتحدّثون بلغةٍ مختلفة، ويمشون ببطءٍ يشبه وقار المعرفة.
ولم يكن ذلك الخيال طفوليًا خالصًا، بل وُلد من هيبة المكان نفسه.
فهذا الشارع لم يكن مجرّد رصيفٍ تُباع عليه الكتب، بل ذاكرةً عراقية تمشي على قدمين، وسوقًا للروح قبل أن يكون سوقًا للورق.
حتى خُيِّل إلينا أنّه “سوقُ عكاظ” العراق الحديث، وأنّ الثقافة العراقية كانت تتنفس من بين أكشاكه كما تتنفس القصيدة من صدر شاعرها.
هناك، كانت الكتب تصطفّ على الأرصفة كجيوشٍ من الأفكار، وكانت أسماءٌ كبيرة تمرّ من ذلك الشارع كما تمرّ النجوم في سماء بغداد؛
الجاحظ بروحه الساخرة،
وأبو الطيب المتنبي بكبريائه الشعري،
ومعروف الرصافي بحزنه الوطني،
ومحمد مهدي الجواهري وهو يحمل العراق في قصائده كجرحٍ مفتوح،
وعلي الوردي بأسئلته التي كانت تخلخل يقين المجتمع،
وبدر شاكر السياب وهو يسكب مطره الحزين على ذاكرة البلاد.
وكان كلُّ قارئٍ أو كاتبٍ يرى في الوقوف قرب “القشلة” نوعًا من الاعتراف الرمزي بوجوده الثقافي، كأنّه يقول للعالم:
“أنا هنا… في قلب بغداد التي ما زالت تقرأ.”
لكنّي كلّما رأيتُ الضجيج يعلو فوق صوت الكتب، تذكّرتُ شمس الدين الكوفي وهو يقف مذهولًا أمام خراب بغداد بعد الغزو، يصيح بحسرةٍ تشبه حسرتنا اليوم:
“يا دارُ أينَ الساكنونَ وأينَ ذيّاكَ البهاءُ وذلكَ الإعظامُ”
وكأنّ السؤال ما زال معلّقًا منذ قرون، ينتقل من بغداد الجريحة إلى شارع المتنبي، باحثًا عن هيبة الثقافة التي كانت تسير يومًا في هذه الأزقة كملِكٍ لا يُهزم.
ماذا عساه أن يقول لو عاد اليوم، فرأى غزوًا آخر لا يهدم الجدران، بل يهدم المعنى نفسه؟
إنّه غزو السفاهة…
ذلك الغزو الذي لا يحرق الكتب بالنار، بل يطفئ معناها بالضجيج.
غزوٌ حوّل بعض زوايا هذا الشارع، الذي كان يحتضن الأمسيات الأدبية والفكرية، إلى مسرحٍ للاستعراض والرقص والسخرية والفراغ الصاخب، حتى بدا المشهد وكأن الثقافة تُدفع ببطء نحو الهامش، فيما تتقدّم التفاهة لتجلس على عرش الضحك العابر.
وما أشدّ قسوة أن تُهان الكتب في المكان الذي خُلِق لأجلها.
أحيانًا أتخيّل أنّ الكتب لو كانت تملك أرجلًا، لهربت من الأرصفة وقفزت إلى دجلة بنفسها، ولو كانت لها أيدٍ، للطمَت صفحاتها ومزّقت أغلفتها حزنًا على ما ترى.
فالمأساة ليست في قلّة الكتب، بل في قلّة الذين يقرؤونها بقلوبهم.
لقد نجا بغداد من سيوف المغول، لكن هل تنجو من تصحّر الوعي؟
وهل يمكن لشارعٍ يحمل اسم المتنبي، القائل:
“وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ”
أن يتحوّل إلى مساحةٍ يُقتل فيها الكتاب بصخب العابرين؟
إنّ موت الثقافة لا يحدث حين تُحرَق المكتبات،
بل يحدث حين تبقى الكتب حيّة على الرفوف…
وميّتة في العقول.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي