loader
MaskImg

حوارات

ناظم حسين : الحياة الجنسية عدسة قوية بشكل لا يصدق لدراسة أي مجتمع 

breakLine

 

 

 

حاوره || عمّار عبد الخالق  

 

وكالة نخيل عراقي \ خاصّ

 

 

 

 لماذا " سبتتنك " ؟ 

 

_ هذا العنوان أتى بعد الكثير من العناوين، اقترحه عليّ الأستاذ الكاتب المسرحي الكبير "والصديق" كما يحب أن أقول له "علي عبد النبي الزيدي". وسبتتنك هو غطاء البالوعة كما متعارف عليه، وسبتتنك كلمة إنكليزية "septic tank" وأنا في المجموعة، رفعت هذا الغطاء كي تظهر روائح المجتمع العفنة والقذرة، وحتى أكون صريحاً في مجموعتي لم أجمل شيئا من الواقع إطلاقا، بل أخرجت كل ما مسكوت عنه بصورة صادمة.

 

ماهي الغاية الأساسية من تعري وجّه الكلمة ؟ 

 

* إنَّ اللغة وكما متعارف عليها هي وسيلة للتواصل، وأداة من أدوات المعرفة، ولذلك أنا أصيغ القوالب اللغوية التي تتناسب مع الحالة داخل القصة، واصف الأحداث والشخصيات بما يناسبها من لغة. وفي مجموعتي حاولت جاهدا أن أجعل اللغة متزنة ليس فيها الكثير من المبالغات، لأن الأحداث كانت أكبر من اللغة داخل القصص، فجعلت اللغة كما هي لم أتصرف كثيرا بها واعتقد كان ذلك شيئًا جيدًا.

 

 

* هل تعتمد بكتابتك القصة القصيرة على " الإيروتركية" ؟ 

 

_ هنالك شيء دائما ما أوضحه للقراء، وسوف أكرره هنا، سبتتنك ليست مجموعة إيروتيكية، ففي ظل الإنترنت والمواقع الإباحية الكثيرة، هل يوجد عاقل يكتب الآن قصصًا إيروتيكية!، ذلك خطأ كبير وعدم فهم للأدب بصورة واعية، فعندما تقرأ مجموعتي تكره العملية الجنسية البشرية، وتشعر بعدم ارتياح، لان المجموعة تخبرك بصورة واضحة على ما أظن، بأن الإنسان حين يصبح ضحية حروب ومأساة وظلم، تكون النتيجة كما في المجموعة، لان كل هذه الأزمات ستخلق لا محل إنسان قلق غير سوي أو بصورة أكثر وضوح "وحشًا"، الأزمات والحروب المستمرة تخلق منك وحشا لا يعرف القوانين البشرية والأخلاقيات، والذين نعيشه الآن خير مثال.

 

* يعتبر القانون في عدد من الدول العربية أن "خدش الحياء العام" جريمة يُعاقب عليها مرتكبها، ؟ هل تم معاقبتك بعد رفض نشر الكتاب ، على أعتبار أنهم ينشرون أدب "سوقي"، هدفه "إثارة الغرائز" ؟ 

 

_ في الحقيقة سبتتنك هدفها الاساسي أثارة الأسئلة وليس كما يعتقدون أصحاب دور النشر بانها تثير الغرائز. وأنا هنا اسأل ما هو الأدب السوقي بنظرهم، وما هي المقاييس التي تجعلهم يطلقون على الكتب هذا المصطلح دون دراية كاملة، أما بخصوص رفض المجموعة فكل دار نشر ولها حساسيتها الخاصة ووعيها بعالم الكتب ولكي أكون منصفا فهنالك أصحاب دور كانوا ضد هذه السياسات لكنهم مجبرون، وأتذكر كلمات صاحبة دار نشر في دولة عربية قريبة قالت لي بالحرف الواحد "أتمنى أن أطبع هذه المجموعة وانشرها، لكن والله سوف أُحاسب و يغلق الدار بسبب المجموعة وأنا على باب الله"، ضحكت حينها ولا أعلم لماذا تذكرت أصحاب العربات الجوالة في الأسواق وطرقهم بالبيع، وأكيد كان الحق مع صاحبة الدار لأنها لا حولة ولا قوة. لكن حقيقةً هذا الشيء صب بمصلحتي، فبظل هذا التطور السريع يجب أنَّ يفكر الكاتب بطرق جديدة للوصول تواكب تطلعات القارئ وفهمه وسرعة يومه وخصوصًا القارئ العربي المعروف بملله ومزاجه المتقلب، الذي يحب أن تأتيه الأشياء جاهزة و "مفلسة" ولا يبذل جهدا فيها. ولاني محاطًا بأصدقاء يفكرون بطرق رائعة وحديثة وواعية، اتجهت بفضلهم إلى صناعة إعلان تشويقي "برونو" كان من إخراج ستار الحربي وتمثيل علي راضي، هذه الخطوة السينمائية كانت جديدة على الساحة الأدبية في العراق كله، وبعدها نشرت المجموعة إلكترُونيًّا، وحصلت على أنتشار واسع خلال أشهر قليلة، ولو نشرتها وَرَقِيًّا وهي المجموعة الأولى لي لكانت حَالِيًّا ممتلئة بالغبار، أو أصبحت طعامًا للفئران.

 

* بعض الأدباء والشعراء منهم " نجيب محفوظ " احسان عبد القدوس " ادوارد سعيد " حسين مردان " عبد القدر الجنابي " نزار القباني " وغيرهم كتبوا عن الجنس والشذوذ وتحدثوا في روايتهم او الكتب الشعرية ؟ هل كلمة " الجنس " أصبحت خادشة للحياء في المجتمع العربيَّ ؟ 

 

_ للأسف نعم، رغم أن المنطقة العربية من المفترض أن تفهم جيدًا معنى الجنس وتدرسه في المدارس كمنهج محترم. لان المنظومة الجنسية تؤثر بقوة على مسرح الحياة كما تفعل السياسة، والجنس والسياسة يؤثران في بعضهما بصورة مذهلة، الفشل في ترسيخ الخصوصية والاستقلالية في حياتنا الخاصة سيكون امتدادًا للفشل في ترسيخ الحرية والكرامة في الحياة العامة، لذلك أعتقد بإن كل الكتاب الذين كتبوا أو تحدثوا بهذه التفاصيل الممنوعة كان قصدهم الحرية للمنظومة الجنسية والكرامة معًا. الحياة الجنسية عدسة قوية بشكل لا يصدق لدراسة أي مجتمع. ما يحدث في علاقتنا الحميمية ينعكس على مسرح السياسة والاقتصاد والعادات، وهنا أتذكر اقتباس ظريف لكنه حقيقي يلخص كلمة الجنس "في العالم العربي الجنس عكس الرياضة، الكل يتحدث عن الرياضة لكن معظمهم لا يمارسها بينما الكل يمارس الجنس لكن معظمهم لا يجرؤ على الحديث عنه.

 

* برائيك الإبداع يأتي من وصف المنظومة الاجتماعية والثقافية والإنسانية بالكتابة "البورنوغرافية" ؟ 

 

_ بطبع لا، الكتابة الإبداعية أبتكار وتأتي من وصف مشاعر الناس ومشاكلهم وتجاربهم وعقدهم، ولا يحصل هذا إلا إذا كنت حَقِيقِيًّا وتنقل تجربتك بكل صدق، فالأدب والإبداع بصورة عامة ينبعان من الحساس بالفقد. ولا أعتقد أن وصف الجسد والجنس في الكتابة هو الإبداع، فالحياة ممتلئة بالكوارث والمشاكل والعقد والمواجهات والموت والجوع وو إلى آخر... فمن المستحيل أن تحصر الإبداع والكتابة بجانب واحد وتحدها به وتبقى تكتب عنه طوال حياتك، فهذه كارثة وخطأ لا يغتفر.

 

* هل أصبح الأدب الإباحي يقدم كتابة درامية تخدَّم أنساق البناء العام لدى المجتمع بتشبيه الواقع وتجسيد الأزمات بانوراميًا بالكتابة عن الأسرَّة والمراحيض ؟ 

 

_ في الحقيقة أن الأزمات التي يمر بها المجتمع العراقي بظل هذه الحكومات، لا يمكن للعقل تخيلها، الكوارث اليومية، من قتل وخطف وترهيب وجوع وأحزمة ناسفة وسيارات مفخخة ونهيار وقلق وخوف، واستلاب وقهر وظلم، وطرق حديثة للموت تفوق الخيل ولا يمكن لأحدًا تصديقها، لذلك دائمًا ما أقول بأننا تحولنا وأصبحنا وحوشًا، بلا مشاعر وتغلبنا على الإنسان البدائي، بسبب الحروب التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فترى إلا ٔسَرَّ يقتلون بعضهم بلا رحمة، ويعلقون جثث بعضهم على أعمدة الإنارة، أو يجعلون الكلاب تنهشها. فالأسرة حين تنهار، تنهار معها المنظومة الإنسانية والأخلاقية ويكون حال البلد في أسفل للحضيض، فهذه الأزمات والكوارث تخلق أجيالًا متعطشة للدماء. والأدب الإباحي لا يمكنه تجسيد الواقع الآن، أنه صغير قياسًا بالكوارث التي تحصل كل ربع ساعة أو أقل، هذا الواقع لا يتجسد أنه صعب ويدعو إلى الجنون.

 

* عندما يصبح الممنوع مرغوبًا ؟ يصل كتابك إلى ٣١٠٠ قراءة ، في المكاتب الإلكترونية ؟

 

_ كتبت مجموعتي القصصية "سبتتنك" نهاية سنة 2015، ولم انشرها انذاك، كنت قلقًا وحذفت الكثير، وأعدت صياغة الجمل مرارًا كما يفعل اي كاتب، تقريبًا وصلت مرحلة من الحذف، والاضافات، والتغيير، حد الملل لكن هذه الأشياء صحية جدًا للكاتب. حتى نشرتها أخيرًا منتصف سنة الـ 2021،كل هذا كان مخططًا له ولم يأتِ من فراغ ابدًا، لذلك حصلت على هذا الرقم " ٣١٠٠" ولا زالت الأرقام تتصاعد يوميًا، والرقم الذي وصلت له من التنزيلات حقيقةً رقمًا كبيرًا بعالم الكتب والقراءة ويدعو السعادة. أنا أؤمن بالتخطيط والصبر و المعرفة، وأن تكتب كثيرًا حتى يصل نصك إلى النضج والقوة، اما الذي يكتب نصه بسرعة دون تخطيط ومراجعة ومعرفة، ينتهي بسرعة، والساحة الأدبية الحالية تشهد على كمية النصوص الهابطة بجميع المجالات.

 

* هل وصلت رسالتك بالكتابة عن "الدورة الدموية" للقارئ العربي ؟ 

 

_ تصلني يَوْمِيًّا رسائل كثيرة من القراء العراقيين والعرب، منهم من يشتم ومنهم من يكون محايدًا وآخر يتوقعني أعيش بأوروبا، وأخرى تعترض على العنوان، وآخر يشبهني بالكاتب الفلاني، وآخر يعتبرني أكثر كاتب جريء، ولكي أكون صادقًا ليس القراء فقط، أغلب الكتاب المهمين أشادوا بالمجموعة ومنهم من كتب على الخاص وآخرين على العام. للآن أنا سعيد بهذه الرسائل الكثيرة، ففي النهاية نحن معشر الكتاب نكتب لكي يقرونا. وأنا أحترم جميع الآراء سلبية كانت أم إيجابية وأسعى دائما لما هو مختلف ومغاير، وأتمنى أن استمر على هذا الصعيد.

 

* هل الكتابة عن الجسد تعطيك أحساس السعادة ، والانفلات من قبضة الإيديولوجيا ؟ 

 

_ الكتابة بصورة عامة هي طريقة مثالية للبوح، وهي طريقة مثالية لقول ما لدينا، وطريقة مثالية لإعلان الرضا، أو الاحتجاج ، الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل المال، أو المجد، أو الشهرة، أو بدافع أيديولوجي معين، بل لأنه مصاب بمرض الكتابة، وتحصل هذه الأشياء إذا كان الكاتب يمتهن مهنة أخرى طبعًا، وأعيد وأكرر أن "سبتتنك" تتكلم عن الرعب وضحايا ما بعد الكارثة، وليس عن الجسد فحسب، وشعوري بالسعادة الحقيقية حين أنقل بكل صدق بطريقة أدبية فنية حديثة حياة الفرد العراقي بعد الكوارث التي حصلت له وستحصل مستقبلًا، وأن أكون شاهدًا أمينًا لا يحده شيء.

 

* ماذا عن تأثر بالمحدِّدات الاجتماعية والدينية ، بعد الكتابة عن المراة ؟ 

 

_ لا أتذكر يومًا أنني واجهت مثل هذه المشكلات، فالكتابة عالم خالٍ من هذه العقد، لكن للأسف ستجدها عندنا وأقصد العالم العربي. أصبح الكاتب يتأثر ويجعل لخياله حدود، فالكاتب الحقيقي يكتب عن أي شيء وبأي وقت دون خوف، ففعل الكتابة فعل شجاع ويتطلب الكثير من التضحيات، والكتاب الجيدون يكتبون عن مواضيع شائقة شخصية تخاف الناس الحديث بها، يهزون الثوابت باراءهم المختلفة ووجهات نظرهم المغايرة وهذا هو الأدب الحقيقي والفن بصورة عامة . 

 

* هل فضاء القصة القصيرة يتحمل مسؤولية الكتابة عن الجنس والسياسية ؟ 

 

_ القصة فن أدبيّ حر يتيح للكاتب الانطلاق في فضاءات الخيال بسلاسة وحريّة، وفضاء القصة واسع ويتحمل الكثير من المواضيع المهمة حسب نظام وأسس، وأعتقد أن عالم القصة القصيرة عالم كبير، ولا يقتصر على الجنس والسياسة أبدًا، ومن المؤسف أن القصة القصيرة الجنس الأدبي الأكثر تعرضًا للظلم في عالمنا، وخصوصًا في عالمنا العربي. لكن هذا لا يمنع من أن ‏القصة القصيرة هي كاشفة المبدع. لأنها فن خام مُركز دون إضافات. أو كما قال عنها يوسف إدريس هي كالرصاصة التي تصيب الهدف مباشرة.

 

* ماهي الخطوة القادمة بعد سبتتنك ؟

 

_ منذ فترة وأنا متجه نحو كتابة السيناريو، وهذا ما يشغلني كثيرًا في الوقت الحاضر. لكن هذا لا يمنعني من التحضير بشكل دقيق وبطيء لكتابة رواية سوف تكون صادمة بشكل كبير ومختلفة جِدًّا .