loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

إقصاء الفراشة

breakLine

 

 

 

 

صباح خلف عباس/ قاص عراقي


  (( الإهداء : إلى الشهيد صفاء السراي ))

بينما كانت تُراقب ابنها ينازع بين الحياة والموت ٠٠٠ داهمها شعور  بخواء تام ,وعرفت إنها استنفذت آخر دموعها ,بدأت تستوعب أنها فقدت ولدها للأبد , ولن تراه مجدداً ٠٠٠ في حين السيارات الكبيرة والثقيلة تُمزق الأسفلت بعجلاتها وتغطيه بغبارها , حيث سقط القمر الفضي ٠٠٠ وهناك مجموعة من الحمقى يتغامزون بينهم ,  إنهم حثالة منتصف الليل ٠
لا أحد يدنو منها , وهي تندبه : " أين تذهب تلك الأرواح المقتولة أمثالك ولدي ؟؟ " ٠ لامجيب ٠٠فقط روحه تماثل الآن حبات الرمل في زجاجة الزمن تتسارع مختصرة أيامه يبتلعه الموت ويدونُ منه أكثر فأكثر  فصرخت : " لن يسلبه أحد مني ٠٠فهو إرثي الوحيد المتبقي ٠
إنها تحس بألم يأكل القلب , وكأن جزءا من من جسمها يتم بتره دونما تخدير ٠٠: "أنتم أيها المتغامزون المتحالفون مع الشيطان تتهامسون فرحون بينما يُذبح ولدي ٠٠!!
ولدها الآن ينزلق بين أصابعها نحو الأبدية ٠٠ هزّته وصاحت به :
"قم ولدي , انهض مثل الدخان الأزرق , فالخط الفاصل بين الحياة الموت يجب ألّا تعبره الآن , لأني سوف أتوه بدونك ٠٠
أزداد نحيبها ٠٠وعلا نشيجها ولا أحد يتجرأ بالدنو منها ٠٠وكأنه قُتل بجرب ما , هرج ومرج حولها٠٠أصوات سيارات الإسعاف تحاشته بادئ الأمر , وأزيز الرصاص يصك الآذان , ويُدخل الرعب في الشوارع ٠٠وتجاوزت الناس شجاعتهم وإنسانيتهم ٠٠وابتعد الجميع عنهم ٠٠ لازال مطروحاً يسقي الأرض من دمائه دون أمل في نجدته ٠
غبار كثيف , وشمس حارقة ترش الوجوه خوفاً , وعرقا , ولازالت الأم تحضن شهيدها ٠
كان ابنها يعشق المخاطر منذ الصغر , قال لها  يوما : " علينا أن نسرق الشرف حتى و إن لم تُعطِكَ\ الحياة إياه ٠٠هذه هي القواعد ٠
وهكذا دخل وكر الذئاب ٠
وهنا  وفي هذه الشوارع بالذات  ماتت الموسيقى  ٠٠ وصمت المذياع , اختفى الإيمان , وانتهى القدر وكثُرت هجمات الحيتان على فُتاة الخبز ٠٠فدخل عالم السياسة من أوسع أبوابها ٠٠
أمه شاردة , منفصلة عن الواقع الآن ٠٠٠في حين عالم الموت يرحب به ويدخله أيضاً من أوسع أبوابه الواسعة ٠٠٠
في البقعة سقط فيها مساحة من الحزن٠٠مساحة من البكاء ٠٠ ومساحة للاشتياق من إيقاع قلب مكسور ٠٠لكنها انتفضت الآن وهاهي الشجاعة تهبط عليها فجأة وقوة الشهيد وصلابته تُسربلها بالكامل ٠٠فهزّته للمرة الأخيرة قبل أن تغادره , مسحت بكمها عينيها , وأنفها من بللهما , وبصوت مصحوب بنشيج متقطع قالت له : " قف الآن , ليس لدينا وقت للنوم , أنت إرثي الباسق " ٠٠لكن " دون جدوى " ٠
وقفت شامخة , وصاحت بأعلى صوتها : " سيُلحِق موتَك العار بأولئك الذين يتجولون مدججين بالسلاح وبالقليل من الشرف ٠٠ بل وبدون الشرف كله ٠٠٠ متسترين باسم الله "  ٠
كالصقر حط على امه شقيقه , جثا على ركبتيه ٠٠ ورفع والدته المتشبثة بأخيه الشهيد٠٠ قائلا لأمه معزيا لها : " أماه هل تتخيلين عدد الجنائز التي لطمتِ فيها ٠٠؟؟ فقالت : " نعم ٠٠ أفهمك ٠٠ ولا جنازة استفادت من هذا البكاء ٠٠ 
الجرائم التي لم يندم عليها أحد كثيرة , فالبوصلة الأخلاقية يبدو أنها تحطمت و الخطيئة نمت و ازدهرت ٠٠ وقادتنا في قمة نشاطهم وباتوا مميزين , يطلقون النار بشكل أنيق جداً , وهم بحاجة  دوما إلى شخص يلومونه أو يقتلونه , لافرق في ذلك , فالبسطاء لن يفتقدهم أحد ٠٠٠٠٠٠٠ ولاينتحب عليهم كائن ما ٠ 
يُعوضون نقصهم عبر  التلويح بعصا غليظة تارة ,, وبالرصاص تارة أخرى ٠
إنه لشرف دموي ذلك  الذي أخذه هذا الشاب ٠٠وقِيل كل حريق يحتاج إلى شرارة , ويبدو  أن الشهيد المطروح سيكون شرارة هذا الوطن ٠٠
ودائما  ما تشرق الشمس بعد هطول المطر…