loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

البلاد الرقيقة

breakLine

 

 

 

البلاد الرقيقة

 

 

برهان المفتي || قاص عراقي

 

الكل هنا معروفون بالدقة ، كل شيء في هذه البلاد بمقدار وكل حركة بحساب دقيق. فصغار المدينة عليهم تعلم الدقة وهم ينفخون العلكة ليجعلوها مثل  الفقاعات، وعليهم المحافظة على تلك الفقاعة دون أن تتمزق، هكذا يبدأون رحلة الدقة هنا. يكبرون مع تلك المهارة فهي هوية هذه البلاد، نفخ الفقاعات، هكذا هو مقياس الولاء هنا كما الطاعة. 
فهذه البلاد رقيقة جداً، هكذا يقول كبير البلاد، ولكي لا تتمزق فعلى أهلها تعلم مهارة التعامل مع الفقاعة والحفاظ عليها، فتمزق الفقاعة إشارة لتمزق البلاد. لكل شخص هنا فقاعته التي ينفخها في الصباح ويقضي بها يومه، وعند المساء يذهبون إلى مكتب تدقيق الفقاعات ليتأكد من سلامة الولاء - الفقاعات- حتى الأطفال بصحبة الأباء، ثم يقوم مراقب الدقة بأخذ تلك الفقاعات إلى  مخزن الولاء حيث هناك عمليات معقدة لتفكيك كل فقاعة دون المساس بالولاء لهذه البلاد، ثم تسليم صاحب الفقاعة مواد لفقاعة اليوم التالي .
هكذا هي البلاد هنا، دورة الفقاعات. ولكن مَن ترتجف شفتاه ويفقد التحكم بفقاعته فعليه التوجه طوعاً إلى مديرية أمن الفقاعات، وتلك طواعية ملزمة لأن أثار الغشاء تكون واضحة، كما أن الفقاعة  تخرج منها رائحة كريهة حين تتمزق ، وحدهم فريق مديرية أمن الفقاعات يعرفون سر تلك الرائحة وكيفية إزالتها بعد التعامل مع صاحب الشفاه المرتجفة بالأسلوب الذي يعيد له ولاءه وضبط عضلات شفتيه، أو إجراء آخر، فليس في البلاد من يمشي في الشوارع دون فقاعة.
الناس هنا يقومون بأعمالهم النهارية وهويتهم معهم- فقاعتهم  التي ترافقهم- يراقبونها لكي يمنعوا تمزق  بلادهم الرقيقة، وذلك سر البلاد ومهارة أهلها، فهم يقومون بأعمالهم اليومية وهويتهم الفقاعية ترافقهم لحين تسليمها لمكتب تدقيق الفقاعات عند المساء.
أما الليل، فهو وقت تحضير فقاعة الغد،  بمضغ المواد حتى تصبح مثل عجينة ثم بصقها في حاوية خاصة لكي تختمر حتى الصباح حين يبدأون بوضع تلك العجينة على ألسنتهم فيطلقون فقاعة اليوم التي ترافقهم حتى المساء. وهكذا أفعلُ أنا كل يوم نهاراً ومساءً حالي كما حال الجميع في هذه البلاد.

في هذا الصباح،  كانت عجينة فقاعتي مختمرة أكثر من كل مرة لسبب لا أعرفه، نفحتها كما أفعل، لكنها أستمرتْ تكبر دون سيطرتي بسبب غازات التخمر فيها حتى صار رأسي داخل الفقاعة. الآن عرفتُ سر الرائحة الكريهة حين تتمزق الفقاعة، فداخل الفقاعة ليس كخارجها. أنا الآن من فريق أمن الفقاعة لمعرفتي بهذا السر.
أذهب الآن إلى المديرية لتسجيلي هناك كواحد من فريق الأمن، لكني أرى الجميع وقد أصبحت رؤوسهم داخل فقاعاتهم ! بهذا قد أنكشف سر البلاد على الجميع، فكلنا في هذا المحيط النتن داخل الفقاعة، لا أسمع ما يجري في الخارج، وبالتأكيد الآخرون لا يسمعون.
لسبب أجهله أو نجهله جميعاً- لا فرق- كانت فقاعاتنا هذا اليوم مختمرة جداً، بالتأكيد هي فقاعاتنا الآخيرة في هذه البلاد الرقيقة ،ربما  جميعنا كنا  داخل فقاعة كبيرة جداً أسمها البلاد.