loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

القرين

breakLine

 

صباح خلف عباس / قاص عراقي

في داخلي رجل آخر … رجل لا أعرفه ، ولهذا السبب  يصح أن أقول ( أنا  ) أو (نحن ) ، أنا منفرداً أم نحن مستقبل الذات … لا أدري بالضبط هل هو التطبيق المناسب لكلينا ؟؟ أم أنه ترياق الملل ؟ من يدري إن كان بيننا توافق تام … هموم مشتركة ؟! بالتأكيد لديّ همٌّ أما الرجل الآخر  ( قريني ) … فلا ، قلت له : 
—  الخوارزميات والواقع عندي لا يتوافقان ، أُريدك أن ترحل عني … 
فردّ عليّ :
—  كيف أرحل وأنا في كل جزء منك أنا في كل مكان فيما يتعلق بك …
الصراحة عجزت عن  انتزاعه من دواخلي ، وعليّ تقبل إني تعرضتُ للخداع ، لذا بقيت مستكيناً يلهو بي كيفما يشاء ،وأنا بارع جداً في عدم فعل أيّ شيء.
في البداية قال لي بكل أدب :
— أعطني مساحة في قلبك … دعني أكبر بداخلك …
سمحتُ له بذلك ، لأني ساذج تماما ، وهاهو بعد زمن بات  يعلم من أنا … يعلم بأني مجرد رجل طيب وضعيف يُسهل التلاعب به ،وهاهو الآن يخلقني حسب رغباته المجنونة ، ويبدو إنه كان يبحث عني منذ زمن حتى وجدني أخيرا  وكلما حاولت التملص منه ازداد التصاقا بيّ ، وعندما قرأ نواياي سدّ الطريق عليّ  قائلا :
—. إنك تتجنب ما لايمكنك تجنبه معي … 
نظرة شاردة على محياه عندما التقيته أول مرة ، تصورت أنا وإياه شخصان متماثلان لهذا السبب تركته يتلبسني ،معتقدا إني لا  أشيخ معه إلى أبد الآبدين … والآن حتى لايمكنني التمييز بين ماهو حقيقي وما هو  افتراضي ، وأحيانا أسمع صوته  :
— إني في عمق عينيك ، إني بداخلك … 
وها أنا بل نحن … نهمس الأسرار ، ونحقق سلسلة من الهزائم بقيادته طبعا ، وجعلني أُؤمن قسرا بأن أولياء الله محض  افتراء ورموزنا السياسية كلما سرقوا أكثر  كلما أصبحنا بشرا أكثر ، وعليهم  أخذ  كرامتنا دون ممانعة منّا … 
جعلني صاحبي نصف معتوه أخيرا ، وبقيت أُصلي لأجل الذين يضطهدوننا … وأصبحت الأماكن المرتفعة بالنبل ومراتب الشرف العالية  أماكن مخيفة لا يمكنني تسلقها أبدًا.
وبمرور الزمن تصحرت روحي … وفتحتُ عشّ عقرب كان نائما داخلي ، أصبحت مثل قارب مربوط بالرصيف … لقد أسرَ شخصيتي تماما ، لا أستطيع الهروب أو الابتعاد عنه … جردني من أيّ هدف نبيل وأطفأ روحي لأصبح بالتالي مصابًا بالارتياب كليًا في فعل أيّ شيءٍ ، وإني لن أصل أيّ جانب من الجنة… يجرف حياتي  وآخرتي  إلى الفوضى  العارمة.. إنه القرين المخادع الملعون  يظهر ويختفي في  عمق سلوكي  فيهيّجه ، إنه شبحي الذي يلاحقني  فيفسد كل أيامي اللاحقات  ،ويدمر حتى نسيج خيالي … إنه الوهم الذي يشبه الحلم  أحيانًا …يأتي إليّ وهّمٌ  من وقت لآخر ، وهمٌّ بسلوكيات الهروب … وفي أغلب الأحيان  أُصاب  بالرعب والملل بحيث أصبحت لا أُؤمن بأي شيء أو حتى لا أتمكن  بأن أعود إلى نفسي الحقيقية.
قرين معاد استغف عدم استقراري ضدي وبدأت أدور في دائرة شريرة ومنحطة في عالمه المبهم وبقيت أتساءل :
—  كيف يمكن  إيقاف ذلك الهبوط السريع ؟؟ متى أستطيع مفارقته ؟ 
سأقول له مخادعا  أنا آسف … ثم يجري بيننا حوار  بسيط ولطيف ، ثم نفترق ولن نلتقي مجددا  لأني لم أتعود يوما قط على التخلي عن السيطرة ، أنا أُمسك دوما بزمام الأمور ، ولكن يبدو أني فقدتها تماما بحيث أصبحت بائسا جدا … حتى اختلط الحابل بالنابل وبتُ لا أعرف من منا أكثر تهوراً … وعندما يغادرني أو أغادره سأجد وقتاً لتأنيب الضمير في وقت لاحق ، لكن إبرام صفقة مع الشيطان أمر محفوف بالمخاطر سيما وأنا قد اكتشفت أن طوق نجاتي منه مليء بالثقوب ، وأني لن أكون سيد قدري بعد الآن ،وأن مفاهيمي أغلبها وخاصة المتعلقة بالخطأ والصواب قد  تداخلت بشكل يفقدني التمييز بينهما ، الطهارة بجانب القذارة والسمو بجانب الذنوب ، وعندما أخبرته بضرورة رحيله عني وتركي منفرداً  أجاب : 
— أنت تحاول إيقاف قطار سريع بالوقوف أمامه لاغير …  
إذن العمل الأكثر بطولة الذي يمكنني فعله الآن هو مواجهة الحقيقة  وهي أن قريني يحمل الكراهية كوسام شرف ، ثم ابتسم بخبث وقال :
— سأعطيك أملاً يمكنني تحطيمه وقتما أشاء … 
تهاوت آمالي في أن أكون أفضل مما أنا عليه ، وها أنا أتلقى الضربات بدلاً عنه ، وأمارس طقوساً غير مقدسة ، ومتى ما يحل الإيمان في القلب يتبعه شيطاني مباشرة ليبعثر نعمة وجودي قرب الله لذا  أنا عازم على هدم ذلك العالم الافتراضي الراسخ في داخلي رغم أن الشياطين لا تتوقف عن العمل في إفساد الأرواح  ، إنهم نشطون ، إنهم دائما يغورون  ويتلاعبون بأمثالي ، يستحوذون علينا بالكامل مثل الآن ، 
وعليّ مسح نفسي من ذاكرتي تماماً والبدء بحرب كونية معه.