loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

المفكر

breakLine

 


خاليد القاسمي || قاص مغربي

 

كان زعيما بالفطرة يعرف كيف يخطف الأضواء بشعره الأكرت ومعطفه البوهيمي وسحنته النضالية المتمردة. وكلما ذكر اسمه تراه يترنّح كطاووس على المنصّات حتى ليكاد يُغمى عليه من الزهو. تقلّب في  مناصب وانشغالات كثيرة اختلطت على ذاكرة من عرفوه: بدأها رساما، فمصورا فوتوغرافيا، ثم على رأس جمعيات لا تحصى، وبعد بضع سنين، انتهى به الأمر مفكرا حداثيا. 
وكانت هي من كبريات عشيقاته قبل أن تصير خطيبته، تذكر أول مرّة أخذها الإعجاب به، كان ذلك عندما رأته واقفا كنخلة على منصة تجمهر حولها الناس، يقلّب أوراقه برؤوس أصابعه الواثقة، ويعرض البرامج والآفاق التي تستشرفها جمعيته في مجال التنوير الفكري، ومحاربة منظومات الجهل والرجعية.. 
لكنه غاب على حين غرة.. !
بحثوا عنه في الحواري، والقرى، والمدن، والحانات، ووضعوا إعلانات البحث على الجرائد والفايسبوك والتلفزة الوطنية وحتى لدى المصالح الأمنية.. لكن دون جدوى. 
كانت خطيبته تسأل عنه في كل مكان، وأصابها ما يشبه الخبل فصارت ترى وجهه في وجوه الناس. تجلس على الأرصفة وتسترجع آخر لقاء جمعهما. كان أيامها قد أطاح بغريم له من رئاسة جمعية "صديقي الحيوان".. وتعنى بالتوعية واقتراح تشريعات لصالح الحيوان الأليف بهدف رعايته وحمايته من الاستغلال والتعذيب.. تذكر أنه، في خضم ذلك، وعدها بمباشرة إجراءات الزواج بعد شهر، وبنيته في بناء أسرة سعيدة تجمعهما تحت سقف واحد..حينها غمرها الفرح، ومازحته على مائدة العشاء وهي تنظر إلى قطع اللحم المشوي، تذكر أنها اقتبست كلاما لبرنار شو وراحت تقول: أليس الخروف من أصدقائك الحيوانات، فلماذا تأكل صديقك أيها المفترس المخادع؟ ضحك حتى دمعت عيناه، واتهمها مازحا باللؤم، و لم لا الجوسسة لفائدة جهات معادية. تذْكر أيضا أنه عبّر عن رغبته في هجرة المدينة، والتي أصبحت في نظره بؤرة صراع لا يطاق، وأنه يفضل شراء بيت المستقبل في قرية بعيدة هانئة ليتفرغ للتأليف والكتابة.  ثم قال قولة مأثورة مفادها أن المدن هي حدائق الحيوانات البشرية المتوحشة. وبعدها ساد بينهما صمت مطبق.
يحكي أحد الشهود على صفحته الفايسبوكية أنه رأى ذات مساء قريب رجلا أكرت الشعر، يدخن ويمشي مشية المفكرين على هامش المدينة. غير أن، في لحظة مباغتة، حاصره جمع من الكلاب المسعورة، فتملكه الخوف وجرى بنزق مثل شعاع شمس، لكن الكلاب كانت مصممة على إدراكه، فشرعت تلهث وراءه حتى غاب عن الأنظار..يقول الشاهد: في البعد غبشت رؤيتي، فلم أعد أتبين منهم الإنسان من الحيوان..!