loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الممثل والممثلة

breakLine

 

 

 

إبراهيم سبتي || قاص عراقي


في صباي ، كنت وفيا للمواعيد مع اقراني وخاصة عندما  نقرر الذهاب خلسة الى السينما لمشاهدة افلام الويسترن التي اعشقها وخاصة في ايام الاعياد ..  احببت تلك الافلام المشوّقة حتى علقت صورة الممثل كلينت ايستوود  وهو يدخن السيجار الكوبي  منتشيا بأنتصاراته في غرفتي الصغيرة  معتليا صهوة جواده الاشهب الجامح ، ماسكا بمسدسه متأهبا ومعتمرا قبعته الرمادية التي لا تغادر رأسه . وجدت صورته ذات يوم تباع على الرصيف في منطقة الباب الشرقي مع صور كاري كوبر وام كلثوم وبائع الشاي الشهير بسيجارته الملتصقة بفمه .. الممثل الذي لم يتكلم كثيرا و لم يضحك ولم يُقتل او يُجرح في كل افلامه لانه اسطورة لا تموت هكذا تخيلته .. كنت فرحا ومسرورا ونحن نخترق الشوارع والازقة سيرا ، للوصول الى بناية سينما الاندلس الشتوية القريبة من النهر الذي يشطر المدينة ، نضحك ونثرثر بقصص وحكايات اسطورتي القوي المهيب وهو يطلق الرصاص على خصومه من مسدسه الصغير الذي لم يلقمه ابدا، فهو ممتليء دائما .. الرجال الاشرار يموتون اكواما اكواما ويختبيء الاثرياء الفاسدين المتآمرين عليه ، والجياد تهتاج فزعة وتلوذ هاربة خائفة ومن ثم ينفخ فوهة مسدسه مختالا صامتا ويضعه بخفة في جرابه .. دخلنا الصالة المضيئة وسط انغام زي الهوا الهادرة لعبد الحليم .. في الوسط تحديدا جلسنا وهو المكان المفضل لي لرؤية نجمي الطيب الشجاع .. صالة كبيرة تتوسطها شاشة محاطة بشريط اسود ، الناس يدخلون من باب جانبي قربها، كبار ، صغار وشباب يتضاكون وبعضهم يتوقف ليؤدي احدى حركات الممثل امام الآخرين الذين ينهالون عليهم بالتصفيق الحاد . ارتفعت سحابة الدخان من المدخنين الصغار رغم وجود يافطة كبيرة كتب عليها باللون الاحمر وبخط رديء " ممنوع التدخين " ولكنها لم تحد من فورة وهوس التدخين للمتفرجين المتحمسين لرؤية قاتل الاشرار . كدت اموت انتظارا مع كل دقيقة تمر  لكن عبد الحليم بصوته العذب وحزنه الباذخ بالعواطف،  كان يخفف عني قسوة الوقت الثقيل سيما ونحن ننتظر الطلة البهية لبطلنا في فيلمه الذي حرصت ادارة السينما على تعليق صوره واعلاناته بكثافة في الباحة الطويلة وفي الشارع المؤدي لدار العرض.. فجأة انطفأت الانوار وعلا الضجيج والعجيج والتصفير ابتهاجا .. غرقنا في ظلمة لذيذة ايذانا ببدء العرض ورؤية الممثل الذي لا يموت باطلاق الرصاص عليه والضرب المبرح والسحل بالأحصنة عبر البراري الشاسعة ، انه قوي ولا يهاب الموت.. سبقت الفلم مقدمة  عرضت اللقطات السريعة لافلام متنوعة مرّت كالبرق واعقبتها وموسيقى صاخبة دوت في رأسي لمقاطع افلام ستعرض قريبا . انتهت على عجل وانيرت الصالة وصدح عبد الحليم ثانية. احتج الجمهور وراحوا يصفرون ويطرقون على كراسيهم لانهم سئموا الانتظار وعلت سحابة اخرى من الدخان  ولا ادري لما ارتطم رأس صاحبي بالمقعد الامامي عدة مرات.. سكن الجميع عندما بدأ الفيلم المرتقب بعد ربع ساعة تقريبا من لقطات المقدمة المملة .. موسيقى هادئة واسماء الممثلين مكتوبة بحروف ناعمة وشوارع وبنايات حديثة شاهقة وسيارات فارهة .. انه ليس فيلمي بالتأكيد ولا هي موسيقى الغرب الامريكي المعتادة !! ظهرت ممثلة فاتنة بشعر ذهبي تلتمع خصلاته تحت الشمس المتسربة من بين البنايات ، انف مستقيم وشفتان تتهدلان اسفله .. اين ايستوود بطلي ؟ كانت الممثلة تخبيء حزنا بداخلها وهي ترتشف قطرات السم منتحرة على مقعد وثير بأبهى حلة داخل غرفة مؤثثة جيدا ملئت جدرانها بلوحات لرسامين معاصرين ، سقطت الممثلة ارضا واذهلت الجميع بوجهها الجميل وعيناها الصافيتان الملتمعتان بغضب خفي كما خمنت .. انها لحظة مروعة حين تموت البطلة فيما ظل بطلي الكاوبوي لم يمت في كل افلامه رغم حصار الاعداء وامطاره بزخات الرصاص التي تدمر جيشا بكامله .. ماتت الممثلة التي لا اعرف اسمها ، في اخر مشهد بعد مرور ساعتين من الحركة والصخب والتجوال بين الاماكن والحوارات الطويلة والصراخ بوجه بعضهم على قمعهم واستعبادهم لها ، رافضة ما يجري من حولها ويبدو ان موت صغيرها مريضا قتل صبرها كما فهمت من الفيلم وسط الذهول المريع للجمهور الذي كان صامتا .. ماتت صاحبة الصوت الرقيق ومات معها كل حبي لممثلي البطل الذي لم تعد صورته القديمة معلقة في غرفتي .. ظل مشهد الانتحار يحوم فوق رأسي لسنوات طويلة متخيلا صورة الفتاة الحزينة وهي تتجرع السم والتي لم اعثر لها عن خبر او صورة بعد فيلمها ذاك الذي قامت بدور امرأة  ترفض الحياة، لكنها لم تبرح خيالي .. بعد سنوات طويلة ، الصدفة وحدها جعلتني اتسمر مدهوشا  وانا اتفرس صورتها الملونة على غلاف مجلة فنية في محل صديقي الحلاق وقد كتب اسفلها ، الممثلة رومي شنايدر التي ماتت منتحرة في منتجعها الريفي مودعة الحياة كما في فيلمها الاخير، وهي في قمة شبابها ومجدها .