loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

تلويحه السؤال

breakLine


ميثم الخزرجي || قاص عراقيَّ

 

الساعةُ تشيرُ إلى الواحدةِ بعدَ منتصفِ الليلِ، كان الطقسُ بارداً جداً، لم تَعُد الشبابيكُ نافذةً للنظرِ فقد غطى الضبابُ سحنتَها وبانت بملامحٍ باهتةٍ، غالباً عندما أُمارسُ فعلَ الكتابةِ أستحضرُ فكرتي جالساً على كرسيِّ المتحركِ القريبِ من النافذةِ وأطالعُ أدراجَ المكتبةِ بعناوينها المصطفةِ هاماً بأن أُغير محتوياتِها في كل مرةٍ لأتركَها وأوقدُ في خاطري لحظةً من التأملِ، أشعلُ سيجارتي وأنفُثها بخطٍ مستقيمٍ دونَ أن أُحرك مرفقي الأخرَ المتكئ على مقبضِ الكرسيِّ وكأني أُحثُ الخطى لامسُكَ برأس الخيطِ او بعتبةِ النهايةِ، بيد أن حركة المصباحِ المتقمصَ دورَ الارجوحةِ يُشعِرني بالرتابةِ في أحايين كثيرة، لأفتعل التدخينَ لمراتٍ عديدةٍ متذكراً ذلك الشيخَ الذي استفهمتهُ عن سببِ الاكثارِ من السجائرِ مبادراً لي بجوابٍ غريبٍ (سيجارةٌ مفادُها كلمة) الملفتُ أنه كان غارقاً بالصمتِ بل حتى أنا في حالتي هذه، أقتصُ من الوقتِ كفايتي ليذهب وأذهبُ معهُ إلى حيثُ ما أرفعُ الستارةَ عن مخيلتي وابدأ. أعتدت وعلى نحو متصل أن أُذيّلَ رواياتي الخمس بكلمةِ انتهت لأستعيد نهايتي بالحياة مرةً أُخرى منغمساً في هذهِ الثنائيةِ الغريبةِ وكأني أتهاوى من عالمٍ مشيدٍ بالقلقِ إلى عالمٍ أُفضي له سعةً من الوقتِ في المأكلِ والملبسِ ودخول الحمام. أدمنتُ وحدتي فأنا الشاردُ من أطرافِ المدينةِ لأسكن قلبها تاركاً ورائي حفنةً من الموتى وأرضاً لا وريثَ لها إلا أنا، لأشيد لنفسي مشغلاً لا ينقصُهُ التجلي بل لا يتسعُ لمزاج أثنين هذا ما ادركتُهُ بعد طلاق زوجتي التي لا تحسنُ صنعَ الشايِّ وطرقَ البابِ حالما أفترش غايتي لأوجه بوصلتي نحو الكتابة. يراودني حلمٌ أعزلٌ حال الانتهاء من أيّ عملٍ أدبيٍ أختصُ به، لأبدوا مطارداً من جسدٍ غائرٍ بالعتمةِ يُعلِنُ عن حالهِ بصوتٍ خارقٍ لأنجرَّ بعدوي نحو طريقٍ لا اعرفُ كنهَهُ بالضبط محاولاً الفتكَ من هذا الشيء، أهرعُ على عجالةٍ متمادياً دهراً من اللهاثِ وكمٍّ من الارتباكات المتساقطةِ هنا وهناك، أجولُ ببصري نحو ذلك الفضاءِ لأجدَهُ خالياً من أيّ حياةٍ تذكرُ سوى ذلك الجدارِ الغريبِ الذي ظلَّ ملازماً دونما حراك لأنّسلَّ خلفهُ واستيقظُ، لتسحبني يقظتي الخجلةُ نحو فناءِ الدارِ ساعياً بأن أتفادى جاري الذي يُعنِّفُ زوجتَهُ بكلامٍ أدمنتهُ حتى الكلاب التي أعطت لنفسِها قسطاً ثميناً من التسكعِ داخلَ الازقةِ الفارغةِ، لأجد نفسي مؤثثاً بأصبعٍ من دخان وكرسيٍّ ينود ومصباحٌ أكترعتهُ الظلمةُ ليبدو بعينٍ يائسةٍ، لطالما تُشعِرُني النهايةُ بهاجسٍ غريبٍ ، لأحيدَ عنها بعقلٍ وأناملٍ تكتب، أستعيدُ يومي المبللَ بهذا المشهدِ متفقداً المخطوطةَ بفصلِها الأخيرِ تحديداً لأجدها على ما يرام، وأجدُني أسرحُ في سري برهةً كانساً تلك المشاهدَ بالقراءةِ أو بسماعِ الموسيقى، تقصدني ذلك الحلمُ على غيرِ موعدهِ لمراتٍ عديدةٍ وصرتُ كلّما أقتربُ من الفصلِ الأخيرِ أهبطُ نحو الهامشِ بصورةٍ لا إراديةٍ لأنطلقَ بالكتابةِ وأتركَ بياضَ المتنِ كالفناءِ وكأني محكومٌ بقيدٍ مميت، أصابني العنادُ في أن أهملَ ما تقمصني وأحيا بورقةٍ مغايرة لكني دُهشتُ من أن أناملي باتت تنغرسُ في جوفِ الورقةِ عند موضعِ المتنِ وتختفي مع ظهورٍ مباغتٍ لدويّ العتمةِ وهالتها المخيفة، أزَحتُ أناملي بسرعةٍ، تمعّنتُ بالماحول، كان على ما يرام، توقفتُ كثيراً عند هذه اللقطةِ التي لم تدم سوى ثوانٍ معدوداتٍ، انتابني شعورٌ بالرهبةِ إزاء الذي حدث وكأني في نقطةٍ فاصلةٍ بين الوهمِ والحقيقةِ، أعَدتُ بقاياي الشاردةَ ودنوتُ مرةً أخرى صوبَ الورقةِ بصورةٍ عبثيةٍ أو لتأصيل الواقعِ من الخيالِ، بدت أناملي بطلةَ المحنةِ بينما ظلت قامتي ترقبُ الاتي وكأني أنتظرُ صفعةً مباغتةً لا علمَ لي بنواياها، تسلّلت أناملي هامشَ الورقةِ متماهيةً، والحذرُ الذي سوّرَني لكن سرعانَ ما انجرفت كفي برمتها حال وصولِها حافةَ المتنِ لأسحبَها بإتقانٍ غير محسوب، تراءت بالحالِ كلماتٌ مبعثرةٌ أعتلت جدرانَ الحجرةِ برسمٍ جليٍ (القيد، القضبان) بينما اندرجت مفردةُ الخلاصِ في الأسفلِ بخطٍ شاحبٍ، همت نحوها بعينين متأهبتين مستديراً والورقةُ التي أدَرتُ وجهتَها ليبدو المتنُ هامشاً ولتبدو الحياةُ مسيّرةً بالمقلوبِ، تنحّيتُ بخطىً ساخنةٍ فسحةَ الحجرةِ علّني أجدُ معولاً/منقذاً عتيداً للإطاحةِ بهذهِ القيود، إلى متى ونحن نلوذ بالهامشِ لنكبّلَ حياتنا بسلاسلٍ للهروبِ نحو الخلاصِ .