loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ثعابين أليفة

breakLine


انمار رحمة الله || قاص عراقي


 
منذ عدة أيام انتقلتُ إلى سكني الجديد في هذه المحلّة. أخرجُ صباحاً إلى عملي وأعود مساءً وقد نال مني التعب والإرهاق. أعملُ كاتباً في مدرسة قريبة من المحلة، ولا أجد فراغاً سوى أيام الجُمع التي أقضيفيها الوقت عادة وحدي. ولأن الملل هو الآخر قد تسلّل لقلبي حتى في أيام العطلات، قررتُ التجول في المحلّة، والبحث عن مقهى فيه تلفاز أتسلى بمشاهدة بعض برامجه وأنا أحتسي الشاي، لأنني منذ انتقالي الحديث لم أقتني تلفازاً ولا حتى راديو. وحين سألت بعض أهل المحلّة عن مقهى قريب أجابني أغلبهم بالعبارة ذاتها ( نعم هناك مقهى قريب.. إنه مقهى الثعبان). وصراحة أثار فضولي هذا الاسم!!. مقهى الثعبان؟!. ماذا يعني هذا؟!. لكنني لم أجد ثعباناً في المقهى ولا أية إشارة له، فالمقهى الذي دخلتُ إليه صباح يوم الجُمعة ذاك، كان كباقي المقاهي العادية. صاحب المقهى جالس وراء منضدة، وعامل يجول بين الزبائن ملبياً طلباتهم، والأرائك يجلس عليها الزبائن بعضهم يطالع التلفاز، وبعضهم منشغل بلعب الدومينو، وأخرون منهمكون بتدخين الشيشة. دلفتُ على مهل باحثاً عن مكان مناسب، ثم جلستُ ولبى ندائي العامل وأتى لي بقدح من الشاي وأنا أطالع المكان ووجوه الزبائن المشغولين. لم يلتفت أو يشعر بحضوري أحد منهم، سوى رجل كان يجلس أمامي، واضعاً على كتفه شماغ ويرتدي دشداشة وسترة غامقة وطاقية سوداء على رأسه. لم يجلس أحد قربه على الرغم من فضوله الكبير كما يبدو، من خلال عينيه اللتين تطالعان كلّ صغيرة وكبيرة تحدث في المقهى. رفع كفّه مسلماً عليّ (صبحك الله بالخير..) فأجبته (صبحك الله بالخيرات) بعد أن قطعت سلسلة رشفاتي للشاي مبتسماً. نظر إليّ صاحبُ المقهى ونبس (احذر.. كيلا يلدغك الثعبان) ثم ضحك بصوت عال، وتفرقت عدة ضحكات من الزبائن الذين كانوا ينصتون لصاحب المقهى وهم منشغلين باللعب ومشاهدة التلفاز.. في الحقيقة أنا استغربت من هذا التفاعل السري والخفي في ما بينهم. وزاد استغرابي حين نهض الرجل الذي كان يرتدي السترة والشماغغاضباً ولاعناً من يأتي للمقهى مستقبلاً، ثم خرج من المكان واللعنات تتطاير من فمه كالشرر. ضحك صاحبُ المقهى بصوت عال ودلق وراءه عبارة (روح.. ستأتي في يوم). ولم أنتظر من شدة فضولي كثيراً، فسألت صاحب المقهى: ماذا يجري..؟! هل حدث شيء أنا لا أعرفه ولماذا هذا الضحك؟ ولماذا غضب هذا الرجل؟ فأجاب صاحب المقهى : احمد الله واشكره لأننا خلّصناك من الثعبان.. قدّوري اللغوي.
***
بدأ الحديث صاحب المقهى معي بعد أن سحبتُ كرسياً وجلست جنبه متسائلاً عن الرجل:
- ياسيدي هذا اسمه قدّوري اللغوي. وله لقبان بالطبع الأول هو (اللغوي) لأنه يتحدث كثيراً ويكذب في حديثه، لكن كذبه من النوع المسلّي المضحك. ولقبه الثاني (الّثعبان) هذا اطلقناه عليه لأنه كالثعبان جالس في المقهى، منتظراً فريسة مثلك لا يعرفه، لكي يلدغه بحديث طويل وأكاذيب مضحكة عن بطولاته المزعومة، فتكون كفريسة الثعبان المخدّرة التي لا تقوى على الحراك، بل كل ما تملكه هو الإنصات له وحسب.
سألت صاحب المقهى :
- إذا كان كذبه مسلياً فلماذا لا تنصتون له ؟
تنحنح صاحب المقهى وأجابني مبتسماً:
- لأننا سمعنا كل أكاذيبه، وهو الآن كما قلت لك يبحث عن فريسة لا تعرفه. وعلى أية حال لا يستطيع أحد الاستمرار والصبر عليه للأبد، سوى صديقه الذي مات قبل مدة وجيزة.. أيه.. كان (نعمان الأخرس) هو الوحيد الذي صبر على الاستماع لقدّوري كل تلك المدة من غير ملل أو كلل.
هذه المرة جاء دوري في الضحك قائلاً:
- نعمان الأخرس..؟!. هل هو أخرس بالفعل أم انه لقب آخر أطلقتموه عليه؟
أجابني صاحب المقهى:
- لا لا.. لم يكن لقباً.. لقد كان نعمان بالفعل أخرس وأبكم أيضاً
اشتعل تنوّر فضولي أكثر حين سمعت هذا الكلام متسائلاً:
- كيف لأخرس وأبكم كشخصية - نعمان- أن يستمع وهو محروم من نعمة السمع والكلام؟!
وضع صاحب المقهى كفيه على صدره ضاحكاً ثم قال:
- سأحكي لك.. قدّوري اللغوي لم يكن يثرثر في المقهى وحسب. لقد كان سابقاً يثرثر بأكاذيبه وبطولاته المزعومة أمام أي جماعة لا يعرفونه. فقد كان يذهب لسوق الخضرة ويصطاد فريسة لكي ينصت لثرثرته. وحين اكتشف بائعو الخضرة طبعه صاروا يرمونه بالطماطم. ثم توجه إلى محل في طرف المنطقة، كان يجلس فيه لمدة على الدكة المحاذية له، والشباب الذين ينصتون له يجهزون في جيبوهم البيض، ما أن ينهي قدّوري حكايته، فيرمي الشباب عليه البيض رشقات وهو يضحكون، وماعليك سوى الذهاب إلى المحل ورؤية الجدار المحاذي للدكة، ستجد آثار صفار البيض وقد ملأ الجدار الذي كان يستند عليه قدّوري أثناء سرده لأكاذيبه.. حتى عثر ذات يوم هنا في المقهى على فريسة لا تتكلم ولا تسمع.. إنه نعمان الأخرس.. وحين كنّا نستمعُ لقدّوري ونهزأ به ضاحكين بعد أن ينهي حكايته، كان نعمان هو الوحيد الذي يهزّ رأسه صامتاً وعيناه لا تفارقان قدّوري، فاستغنى عن إنصاتنا له بإنصات صديقه الجديد، فقد كان يغضب حين يضحك أحد على أحاديثه على الرغم من كونها كذب وأساطير من تأليفه. فصار قدّوري يحكي لنعمان عشرات البطولات الكاذبة، ونعمان يهزّ رأسه ولا يتكلم.. وحين كنّا نضحك على قدوري ونقول له كيف يفهمك الأخرس وهو محروم من السمع؟ فيجيبنا قدّوري بثقة عالية، لا عليكم فإن نعمان يفهم كلّ شيء أقوله.. وهكذا استمرت علاقتهما مدة من الزمان، يقومان سوية ويجلسان سوية. واستغنى قدّوري اللغوي عن الجميع بصحبة نعمان الأخرس.
نظرتُ طويلاً إلى صاحب المقهى ثم سألته:
- إذن مات نعمان الأخرس؟
هزّ الرجل رأسه مجيباً:
- نعم.. لقد كانا بلا عائلة وحيدين. وحين مرض نعمان الأخرس كان قدّوري اللغوي هو الوحيد الذي وقف سنداً له في المستشفى. بل كان الوحيد الذي يرعاه حتى قبل مرضه. كان قدّوري إذا اشترى طعاماً يأتي بنعمان المسكين لكي يأكلا سوية. وكنّا مستغربين صراحة من اهتمام قدّوري إلى هذا الحد بنعمان. وكنّا نظن أن الأخير أيضاً كان مهتماً بقدّوري لأنه كان يمنحه فرصة للأكل والاهتمام. لكن هذا الظن لم يصمد كثيراً حين كان نعمان الأخرس هو الآخر يأتي بالطعام الذي يفوز به من بعض الناس المتصدقين، ويأتي باحثاً عن صديقه قدّوري لكي يأكلا سوية..
- إذن لم تكن علاقتهما بسبب المنفعة.. أقصد الطعام وحسب ( قلتُ لصاحب المقهى)
- نعم بالتأكيد ( أجابني ثم أكمل) علاقتهما صارت قوية لأن قدّوري اللغوي لم يجد غير نعمان الأخرس مستمعاً جيداً له، والآخر نعمان لم يجد من يتحدث ويحترمه سوى قدّوري بطبيعة الحال.  
صمتُ لبرهة وأنا أسترجع نظرات قدّوري التي وجهها نحوي. نظر إليّ صاحب المقهى واكمل حديثه:
- تخيّل جنابكَ أن قدّوري هو الوحيد الذي شيّع صديقه نعمان إلى مثواه الأخير. لقد جاء يومها إلى المقهى وكان في حالة يُرثى لها من شدة الضعف والحزن على رحيل صديقه الأخرس. وربما كانت كلماته الحزينة التي قالها بعد وداعه هنا هي الكلمات الأصدق في حياته. وللمرة الأولى لم يثرثر كثيراً بل قال عبارته تلك (مات نعمان.. مات نعمان) ثم غادر المقهى وقد تهدّلت كتفاه وانحنى ظهره ساعتها.
حين أنهى صاحب المقهى حديثه سألته:
- ربما كان يشعر أن موت صديقه الأخرس، المستمع الوحيد له، هو موت له لأنه لن يجد من ينصت له من جديد؟
أجاب صاحب المقهى بعد أن أختفى مزاج الضحك والمزاح من على وجهه قائلاً:
- ربما..!! ثمّ أن قدّوري لم يعد يتكلم كثيراً مع أهل المحلّة كما كان قبل التعرف على نعمان. وصرنا لا نراه إلا في أيام الجُمع، وحين يأتي يكون مزاجه متعكراً وحين يضجر يغادر المكان كما رأيت قبل قليل. لكنه في الأيام العادية غير أيام الجُمع لا نراه صراحة ولا نعلم أين يختفي.. حين أنتهى صاحب المقهى من حديثه شكرته، ثم تساءل عن هويتي فأخبرته أنني ساكن جديد في المحلّة وأعمل كاتباً في مدرسة قريبة. رحب بي وأقترح المجيء للمقهى فشكرته وغادرت. كانت حكاية قدّوري اللغوي وصديقه نعمان الأخرس تدور في رأسي. وصراحة نمتُ ليلتها وكانت في قلبي رغبة لمعرفة المزيد عن شخصية قدّوري الذي يسرد للآخرين بطولاته الخارقة. حتى تهيأ لي أن قدّوري مجرد طفليرتدي بدن رجل لا أكثر. وكنت أتمنى اللقاء به مرة أخرى في مكان آخر غير المقهى. ولم أتوقع أن التقيه مرة أخرى بالفعل، ولكن هذه المرة رأيته ليس في المقهى ولا في المحلّة ولا في شارع من شوارعها. لقد رأيته على دكّة محاذية لسياج المدرسة التي أعمل فيها. كان جالساً وقد تحلّق حوله مجموعة من تلاميذ مدرستنا الساكنين في المحلّة ذاتها. وحين دنوت منهم سمعتُ قدّوري يحكي لهم بصوت عال ويشير بكفيهصانعاً حركات لها علاقة بحكاية خارقة من حكاياته، والأطفال ينصتون له فاغرين أفواههم بدهشة كبيرة كأن على رؤوسهم الطير