loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

جغرافيا الصور

breakLine

 

احمد إبراهيم السعد / قاص عراقي

 

-1-

 

بقي لوحده في رحم كامرتي الدجتل ،بعد أن أفرغت ذاكرتها من كل الصور. تمنيت لو يمسح الإصبع والأزرار ذاكرتي أنا أيضاً ، يحكها ويغسلها مثل كرشة دابة هضمت الأخضر واليابس . أكثر من عشرين يوماً وهو في ذاكرتي ببجامته التي أرتني  العالم مقلماً بخطوط زرقاء. أما يده الوحيدة فقد سحبت جاكيتة الصوف البيضاء المزدانة بفيلة وردية تطير بآذانها وتتأرجح من خراطيمها قردة ملفوفة الأذناب . ثمة فيل تعلق القرد بذنبه يلتف في فضاء الصوف وينظر إلى اليد الصغيرة وهي تسحب عالمه لتكشف عن بطن حنطية غائرة . القرد هو الآخر يشيح بوجهه عن قيامة شد عالمه وقد ارتخى ذيله ، وكأنه يجنب نفسه التفكير بتلك الوحمة المشدودة بجلد البطن - تشبه خارطة لمدينة مفقودة - لكنه ومن غير أن يريد أو يدري تورط في قدر خلقه النسيجي الذي أبقاه مشاهداً للفيلة والقردة وهي تمرح على صوف ذراع الطفل وتدنو مبتورة من نصفها العالق في الكتف . أنا من ارجع نصف الذراع إلى ذراع النصف ..

 بحثت عنها في خبايا وكراكيب سطح المنزل / في قن الدجاج  / خلف خزان الماء / قذفت فردة حذائي على قط يشبه النمر  / رمقني بنظرة تحدٍّ مبيتة ، ومن غير أن يموء فهمت براءته . أطللت برأسي من السور إلى سطح الجار فرأيت امرأة تزيل الشعر من   ساق فتاة  زادت سياط الخيط وشمس الضحى من حمرتها .

 صاح مربي طيور شاب شهم : انزل .

التفتت الفتاتان فنطقت : نصف ذراع ؟

بصقت إحداهما في وجهي ونزلت ابحث في داخل صندوق عتاد يضم أحذية قديمة، صغيرة وكبيرة . ثمة سحلية تشبه التمساح خرجت من الصندوق، مقززة تغري بقتلها، تركت كل شيء ومضيت جاداً على أثرها . محني الظهر وفي يدي فردة حذاء رجالي عتيق . من مكاني قذفت الحذاء على الحائط الذي تسلقته فإذا بها تختفي في تجويف الآجر، فيما بقي ذيلها يتمطى على الأرض . خلفه تماماً كان نصف الذراع ساكناً بأصابع صغيرة نصف مفتوحة،كأنها تركت للتو كتاب القراءة .. لعبة .. قطعة حلوى .. طرف ثوب الأم .. ربما كرة من البلاستك قذفها على سحلية ،وقبل أن تصل لتصيب المرأة الممسوخة، وصلت القذيفة لتصيب دارهم - أخبرتنا معلمة الدين يوم كنت في الصف الثالث الابتدائي أن فتاة غاية في الجمال اسمها قطام مسخها الله سحلية لضلوعها في مقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب – حملت نصف الذراع وتاخمته ذراع النصف المتصل بالكتف ، ثم تقهقرت محني الظهر أنظر  في شاشة الكاميرا الى جسد الطفل وقد أكتمل ما خلا الرأس الذي حلت محله بقعة دم رسمت على بلاط السطح الأسمنتية خارطة لمدينة مجهولة .

 

-2-

 

كل ثلاثة أيام أو يزيد أقوم بتغيير بطاريات الكاميرا. أبدلها ولا أشحنها . فكرة 

الشحن تلهمني الإحساس المقيت بتدفق الدم / غياب الأعضاء /  انهمار الدموع  / تفسخ الجسد / كذلك القط اللعين الذي يشبه النمر يزداد تلمظاً . يريحني تبديل البطاريات ،ورمي القديمة بذنوبها وضعفها إلى أبعد مسافة . أما الجديدة  فتمنحني قوتها عودة الرأس والروح لكائن الصورة . لم أره من يومها . حتى وأنا أمسح الصور لأبقيه ، تجنبت أن أراه ، لكني لمحته مازال ميتاً .

 مسحت أربع صور .. الأولى : بيت انهار جزؤه الأمامي . النار خلفت هشيماً أسود في الأثاث. كنبة بمربعات حمراء تتوسطها نجوم ذهبية لا أعرف كيف نجت من قدر البيت الأسود.." آه لو جلست عليها العائلة  ..ولماذا تفرقت في حياة البيت ، وتجمعت في دماره المميت ؟" أقدام المسعفين تدوس الأنقاض . أقرب زوم الكاميرا . في الشاشة وجوههم تنكمش ، وتضيق أعينهم كلما رفعوا حجراً . لاشيء.

 انتصب أحدهم من انحناءته وتساءل: من يعرف عدد أفراد العائلة ؟ 

ثمة امرأة غسل وجهها الدمع أخرجت يدها من عباءتها ، وتحرك إبهامها على بطن الأصابع : ثلاثة ، قالت . 

انحنى الرجال على الأنقاض ثانية ، وانزويت أنا تحت ظل نخلة كي تكون  الصورة واضحة .

 في النية أن لا أقوم بمسح الثانية . كان منظر الكلاب بمنتهى الإنسانية وهي تحوم على كلبة نافقة . لحسوا دمها ، تنابحوا بنبرة فقدت الكثير من شراستها . أحدهم تناوب بوزه بين شم الأثداء ، ولعق المؤخرة . كان أكثرهم عاطفة على ما أعتقد . دربكة أقدام المسعفين ،والمتفرجين على البيت المنهار فضت دائرة الكلاب . الكلب العاطفي فقد ذاكرة الخوف من البشر . جلس قرب جثة الكلبة القتيل، وأصبح من المتفرجين على المأساة .كان بودي أن أقول له: ألتفت إلي قبل أن ألتقط الصورة .

صورة الجار الأخرس هي الثالثة ، يداه وملامح وجهه تنقل أصواتاً بليغة  . رفع دشداشته الصفراء وتسلق الأنقاض . ماذا يريد هذا الأخرس ؟ كل تصرفاته تدل على همة ومهمة جاء من أجلها ليخبر المسعفين بأمر جلل . لم يجمع أحد حروف إشارات يديه  وهي تتحرك أمام وجوه المسعفين والمتفرجين الذين ظلوا مشدودين الى شفتيه اليابستيْن . بدا وهو يرتقي تل الأنقاض كممثل مونودرامي صامت حاول أن يقول بلسان يديه ما لم تفهمه لغة العيون . أخرج لسانه وعض عليه منزوياً يمين فمه ، ثم قلد شكل النائم ،وأشار الى سماء جار البيت المنهار . ثمة أصوات فوق اللغة بدأ يصدرها بانفعال : أأأأي .. أأأبابا .. ببي ..يييي ..ماذا يقول هذا الأخرس ؟ 

التفت الى المتفرجين . رفع دشداشته ونزل . أين ذاهب هذا الأخرس ؟ حمل طفلاً  ابن ثلاثة  أعوام ،وطرحه أرضاً . أخذ الطفل يبكي والأخرس يمرر بسرعة حافة يده بطريقة الذبح على رقبة الطفل . وجدته مشهداً دراميا يستحق التحنيط في صورة تذكرني بذبح الأطفال بحافة القرآن في يوم ذكرى مقتل عبد الله الرضيع بن الحسين. تخيلت الصورة قبل أن أضغط زر الكاميرا ، لكني توخيت السرعة قبل أن يغيب المشهد الذي يصلح لمقال عن مدينتي المشبعة بالقتل. ضغطت زر الالتقاط بانفعال أناني ، وبعد برهة رأيت الصورة على شاشة الكاميرا: الكلب العاطفي يجلس على يسار ، وينظر إلى الأخرس بتعابير  من فهم دلالة المشهد .  الكلبة المقتولة بان شيء من جلدها الأبلق . سيارة إسعاف قادمة للتو. رأس الجالس الى جنب السائق يطل من النافذة ،وينظر إلى مشهد القتل التمثيلي بذهول  . الطفل يغمض عينيه باستسلام أخرس . الأخرس يعض لسانه ودموعه تسيل من عينيه اللتين اكتشفتا عين الكاميرا .

 

-3-

 

إلى أين يسحبني الأخرس ؟ الجميع ينظرون إليه وهو يجذبني من معصمي ويمضي بي إلى بيتهم .لم أحر ساكناً وهو يدور على عقبيه ويقودني في ممر قصير شبه معتم نحو باحة جلوس . أعشت عيني الإضاءة المفاجئة فرأيت امرأة نحيلة تقف متلفعة بعباءتها ،وتهز طفلها الذي ما كان ليبكي .الرجل العجوز هو من كان يبكي ، وضع رأسه الذي اعتمر الكوفية بين ساقين نحيلتين وراح يهتز من فرط الحزن ، وعندما أحس بوجودي رفع رأسه وتمخط بطرف كوفيته  ،وأسمعني صوته الذي كان ديباجة أفهمتني أن للسر الحزين صوتاً واحداً :اذهب إلى السطح يا بني .

الأخرس يدفعني إلى بئر الصعود وظل هو في قاع الأمان . ماذا سأجد على السطح ؟ فكرت أن أنزل لكن الأعين دفعتني لمواصلة الصعود .

 

-4-

 

بعد نزولي صعد المسعفون وبعض المتفرجين إلى السطح . رقاب الجيران تشرئب أعلى الجدران . الكلاب عادوا إلى القتيلة ، فيما الكلب العاطفي   ينظر إلى ثلاثة صبية وامرأة بدينة يقلبون دولاب خشب صاج . يبحثون في داخله باهتمام عجول . يأخذون ما يريدون ويلقون بغير المهم منها إلى  الأنقاض . إلى قدمي وصل قرص ( سي دي) كتب عليه ( حفلة عيد ميلاد حمودي )

الى اليوم  لم ألقم جهاز أل سي دي قرص الحفلة ، لكأني أخاف على العائلة أن تموت من جديد . غير أني فتحت شاشة الكاميرا على الصورة الوحيدة فوجدت القط الذي يشبه النمر وهو يلف ذيله مثل قردة الجاكيت  ويرفع أذنيه مثل الفيلة الطائرة في فضاء الصوف .. وقد رأيت في عدستي عينيه الشهلاوين وجه القاتل الآدمي .