loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حذاء الأنثى (+16) 

breakLine

 


 
 
خضير فليح الزيدي || قاص عراقي 
 
 
"هبني حذاء أنيقا بكعب عال، وسأغزو قلوب كل الرجال المتجبرين".


بتصرف​​​الجميلة مارلين مونرو
 
إن الكلام الذي قالته عن علاقتها بفلسفة حذاء الأنثى هو كلام صادم فعلا، يصلح أن يكون مقدمة لعنوان أناقة ما بعد الحداثة، لكنه لا يصلح بالمطلق لتفاصيل قصتي الجديدة، بل أجزم أنه محض هراء، ليس إلاّ. 


قالت لي عبر الهاتف: "عفوا أستاذ، البنت المودرن لا تميل في يومنا هذا إلى حذاء الكعب العالي يبدو أنك "دقة قديمة". فالحذاء الرياضي أو حتى حذاء " فلات" يفي بالغرض وهو المناسب للحياة العملية. هل فكرت مليا بالكعب العالي كيف ينقر على بلاطات شوارعنا المتكسرة؟ ربما أنت مسحور بإيقاع الكعب العالي في زمن الممثلة نادية لطفي مثلا، وربما يسحرك إيقاع نقره على بلاطات الأروقة المغلقة. لكن الأمر مختلف حاليا. أكثر من مرة يحدث أن ينكسر الكعب فجأة، لتعرج الأنثى أمام أعين الذكور وهم يقهقهون. إنها كارثة حقيقية ومن دون فلسفة رجاءً، هناك ما يسمى بترتيب أولويات الجذب والجمال".
إنها صدمة القول المفاجئ قبل اللقاء المرتقب لنا للحديث عن تفاصيل مشروع قصتي" كعبٌ عال لحذاء أحمر" التي أتخمتها بسحر من الذاكرة الرومانسية.
قلت لـ "ردينة البياتي" الشابة الجميلة التي تعمل في منظمة عالمية تابعة لحقوق المرأة في مركز الكرخ النسوي. هي بنت ذوات، متفتحة كزهرة قرنفل، تخلت عن مساحيق الوجه، وعلى قدر واسع من ثقافة العصر المستحدثة. جاءت إلى مقهى "الطيف الأزرق" حيث كنت أنتظرها. تنتعلحذاء خفيفا. كانت ترتدي البنطلون الجينز الأزرق. كان ضيقا جدا على مقاس جسدها وممزقا عند الركبتين، وقد بان جزء من بشرتها الكريمية البيضاء، مع قميص كتّان "اوف ويات" ضيقا جدا ليبرز مفاتنها المضمرة.


- بماذا تفسرين العلاقة السرية والمركبة للأنثى في كيفية انتقاء الحذاء؟ 
-هي علاقة خفية على جنسكم، لكنها معروفة لدينا، ولا أستطيع البوح بكل تفاصيلها. ربما تشكل انتهاكا لعوالمنا. هههههه، ذلك من صلب عملي في المنظمة. 
- طيب.. سأصيغ السؤال بصيغة عامة. هل تعرفين بأن الذكر يدقق كثيرا في حذاء الأنثى بوصفه من موحيات الأغراء المهمة لجسدها وليس من مقتنياتها؟ 
- هذا من وحي ذكورتكم حسبما أعتقد يا أستاذ.
- كذلك أدرك أن الحذاء بصورة عامة يرتبط بعلاقة جدلية باللون مع حقيبة اليد.
- بالعكس. ربما تتقدم مرتبة الحقيبة بوصفها محور الغزل المضاد ومخزن أسرار الأنثى. بشيْ من الشغف والإحساس المفعم وبروح الأناقة العالية، تجعل مجتمع الذكور يرسلون تقييمهم بابتسامة أو أعجاب أو ربما شغف مفرط، كي يمدون جسرا بين الحقيبة والحذاء. 
- ممتاز. أنتِ إذن تدافعين بحماس عن مجتمع الإناث وتناصرين وجهات نظرهن. وأنا سأفعل بالضد. اتفقنا عزيزتي ست ردينة.
- كان الحذاء الأنثوي قديما برشاقته وانسيابية مع دقة المسار متوجها نحو المقدمة يجعله مفتاحا لكنز أسرار الأنثى في هيكلية تكوينه الخفي، وهذا ما لا تدركه أستاذ حسبما أعتقد. لكن منطق الحياة العصرية يميل في يومنا الأغبر هذا إلى البساطة الموحية. الجمال هو عنصر البساطة الوحيد.
- فعلا أنت مثقفة ثقافة عصرية مختلفة عن ثقافة الكتب التي تشبعت بها ست ردينة. أما أنا فأكتب قصصا عن عالم الأنوثة بطريقة كلاسيكية كما يبدو. فالذكر- من وجهة نظري- أفضل من الأنثى / الكاتبة لفحص عوالم الأنوثة، وهي بالمقابل أفضل من يكشف أسراره حين تغوص في عوالمنا نحن معشر الذكور. كما تعرفين نحن وضعنا جدارا فاصلا بين عالمينا من ناحية سيكولوجية. لذلك سأستعين بكوبثقافة الوعي القادح. بوعيك المتقدم لهذا الكشف والفحص الدقيق بعيدا عن ثقافة كتب الأدب، وعلى هذا الأساس حضرنا اليوم إلى هذا المقهى. توقفت عند قصة "كعب عال لحذاء احمر" ولم تكتمل أبعادها النفسية بعد. أحتاج أذنا لدخول منجم أسرار الأنثى الداخلي بمساعدتك. فماذا تقولين؟
- طيب. ولكن خليك متفرجا من خلف السياج الفاصل بين عالمينا. سأورد لك مثلا: عندما أقبض مرتبي في نهاية الشهر، أدخل "معرض MASS" لبيع الأحذية وأبتاع زوجاأو زوجين لي يناسبان بذلتي الجديدة للحفلة القادمة، وزوجا آخر للعمل المكتبي. بصراحة أقول لك إن عصر الموضة وتنوعها يجعلاني أختار الموديل واللون وفق معيار جمالي/ عصري لا يفقههما الرجل مطلقا. كانا يقومان على سباق الموضات والصيحات العالمية التي أحدثت ثورة مضادة في عالم البساطة المطلقة، أكثر من أي معيار آخر. ربما كان الحذاء موضع البحث سابقا يناسب حقيبة اليد كما هي معطيات التمظهر سابقا، لكن الآن تغيرت المعاييربل تفجرت ثورة تدعى ثورة الذوق الشعبي، لتشمل الانسيابية والتكوين الخارجي ونوعية الجلد أكثر من علاقته بلون الحقيبة. هل سمعت بثورة الألوان المتضادة؟
- لا، أبدا.
- اللون المشتق من اللون الأساس لا يثير الحواس كما كان سابقا، بل التضاد في اللونين هو من يثير الحاسة الجمالية المريحة لعين الناظر. مثلما هو التصميم الجمالي لعنصر الأثارة الفاعل، وعليك أعادة النظر بقصتك يا أستاذ. فمن قياس (36) للقدم يكون ارتفاع الكعب 15 سم مناسبا. الانسيابية نحو المقدمة تكون غاية في النعومة والرقة والجمال. ثمة حلقة فضية كانت أم ذهبية هي من تمنح حذاء الأنثى- ما يسمى بكسر النمط- إكمالا لفروض الأناقة،بالرغم من قصر القامة وكي تتغلب عليه في ارتفاع الكعبويتحقق الإيهام الجمالي.
- أتقصدين أن الأنثى التي يتراوح طولها من 130 إلى 140 سم تعد قصيرة في مجتمعاتنا؟
- نعم بالضبط. هذا بالنسبة للأنثى القصيرة. فكلما طالت الأنثى عن الـ (140) يقلّ ارتفاع الكعب ليستقر القياس من(5 - 7 - 9) سم حسب نوع المكان المقصود. التقزم الأنثوي هو مصدر إزعاج مزمن للأنثى الشرقية عموما وهي صفة بشرية شرقية وبايلوجية. أما الأناقة فهي ليست مفهوما اقتصاديا كما ذهبت إليه، بل هناك معايير سرية تعرفها هي وقد كشفت بعضها لك، ومن جهة أخرى أخفيت بعضها الآخر عنك، وهي مسألة نسبية تختلف من بنت إلى أخرى. إنه سر الأسرار الذي لا يمكن بلوغ الحديث فيه مستوى بلاغة المعنى.
- هل تعرفين أن بعض الرجال يبدأ الفحص الجمالي المعتادللأنثى من الأسفل صعودا؟ بينما بعضهم يعاكس النظرية الجمالية السائدة، عندما يبدأ اكتشاف الأنثى من الأعلى نزولا، أي من تسريحة الشعر وشفافية المساحيق ونزولا نحو بروز الصدر وصلابته وبطريقه يضع الخصر والسيقان في نظرة الشمول الجمالي العام وصولا إلى البؤرة في الحذاء. الفريق الأول الصاعد لنقل هو أكثر ميلا نحو إنسانية التعامل مع الأنثى، بينما الفريق النازل من الأعلى هم من آكلي لحوم الإناث. هههههه احذريهم ست ردينة. نعم اللون والتكوين السري هما الغاية في قصتي. عندما يضع البطل العلاقة المناسبة بين لون الحقيبة وموديلها ولون الحذاءوارتفاع الكعب، وعلاقتهما مع لون البذلة الكلية في دائرة الشغف والرقة والخيال المتحقق من جملة هذه العناصر.
- ربما أستاذ. أنت حر باختياراتك. وبطلك هذا يبدو خياليا أكثر من اللازم.
- يستند بطلي على نظرية الشغف بالأسرار العميقة. إنه حقا عالم سري يبرز ويختفي في عين الرجل، ليضع في النهاية الانطباع الكلي عن حقيقة أناقة الأنثى المنظورة. فهو عالم الغرابة الجميل، وفيه تتحطم قلوب الرجال على دكة الأذواق والتنسيق السري في كيفية إنتاج الهيئة الكلية لجمالها. أسرار عالم الأنوثة أصبح غاية في ميزان الذكر للأسف. شكرا لك ست ردينة.
- عفوا أستاذ وأنا بالخدمة. نحن نعرف عن عالم الرجولة أكثر مما يعرفونه عن عوالم الانثى. أتمنى عليك أن تكتب عن معاناة المرأة في هذا العالم. عن أعين الرجال وهي تلتهم الأنثى في الشارع وتكاد أن تسقطها أرضا.
- كل الشكر لك سيدتي ست ردينة. لقبولك الدعوة ولكمية المعلومات المذهلة التي سمعتها عن الأذواق السائدة.