loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حربٌ وفيلسوف وشعب وملجأ

breakLine


أمير ناظم || قاص عراقيَّ


    شمعة في العدم، لا تطفئني سوى ذكرى قديمة أو قبلة من شفتَي أمي، رسالتي في الحياة أن أعبر حدود المعنى، وأكسر حاجز البؤس، لأكون قدوة للقادمين إلى الدنيا من بعدي، ولكنني مهمل في هذا الملجأ منذ شهور، من سيخرجني؟ ومن سينهي الحرب؟

    تكونت رؤاي عن وجودي بعد أسئلة مُتعِبة، إذ لم أشأْ أن أكون إنسانا عاديا حين يُفنَى صوتي ويموت في الشوارع الصغيرة والمقاهى الشعبية. قد يكون حلمي بسيطا، لكنني أعلم في قرارة نفسي أنّ درويشا في زقاقٍ ضيق يمكن أن يغيّر العالم، فموجات لطيفة من بحر هادئ تلطم صخرة قوية، فتفتتها رويدا رويدا وتزيلها من الوجود، إلا أنني غيرُ قادر الآن أن أؤدي رسالتي مادمتُ في الملجأ والحرب مشتعلة!

    ظلت ريح اليأس تلاحقني، وعواصف من الانكسارات تهدم كياني في قابل العمر، لكنني أخذت بساط الأمل وتسارعت مع الوقت، ونقشت اسمي على ما أظن على جدار الزمن، متعلما تارةً، ومنافسا ترة أخرى، واخترقت حجب المتشائمين لأكون ناجحا في حياتي، فاكملتُ دراستي وحصلت على بكالوريوس الهندسة، وافتتحت مشروعي الخاص، وتعلمت الرسم والنحت، إلى أن جاء عام ٢٠٠٣م، وتغيرت الموازين، وها أنا عالق في هذا العام، هاربٌ من غزوٍ وسلطةٍ وإرهابٍ وعصابات ومجرمين، ولا أدري متى يمكنني أن أغادر الملجأ المظلم الذي أنا فيه الآن؟!

    علموني في الصِّغر أن الشجاعة سمة الأولياء، والكرم صفة الشجعان، والمروءة ميزة الأُصَلاء، وعشتُ نصف حياتي أسلك سبل الصفات الحميدة، ولكنني تأخرتُ كثيرا عن العالم، فلم يعلمني أحد أن الحياة غابة، وأن الصدق يهلك صاحبه، وأن الكرم يزيد فقر صاحبه، وأن الشجاعة تهور. وحين سألتُ الشيخ الحكيم في مدينتي عن التناقض هذا قال: ليس العيب بالصفات نفسها، بل في الناس والمجتمع. المثالية مهلكة يا ولدي، والدنيا اليوم غابة.

     لم أعِ أول الأمر ما قاله، لكنني فهمت كلامه حين طالست الناس واحتككت بالمجتمع الحقيقي، فوجدت الحياة غابة فعلا، إذ من الناس أسود وثعالب وكلاب وأفاعي وغربان وقطط وحشرات، فصُدمتُ وتقهقرتُ لأعود إلى عزلتي، إلا أنني لم أرد ذلك، فخضت غمار الحياة بما فيها، تعثرت كثيرا وفشلت كثيرا وأحبطت أكثر، لكنني في كل مرة أقف مستريحا، وأرتب أوراقي، ثم أنهض وأتحدى كل مسار متعرج أو مطبات موجعة، فتقدمتُ كثيرا، لكنني الآن مازلت في الملجأ.

    لقد استثمرت فترة حبسي في الملجأ بالتأمل، وأعدت النظر بحياتي كلها، لم أكن أصحو على موسيقى الزيزفون، بل على أصوات القنابل والبنادق، ورغم هذا، فصلت بين الاثنين وحلمت بالجمال، وتدبرت في وجودي لأجيب عن أسئلة الطفولة، وتعلمت أكثر مما كنت في خضم الحياة، وعرفت جيدا ما يجب أن أفعله بعد خروجي من هذه المحنة، وأين أريد أن أذهب؟ وماذا سأفعل؟ ولثلاثة عقود من الزمن مرت عليَّ دون تأمل حقيقي أو محاسبة صادقة لذاتي، وأحدث تمرين التأمل بونا شاسعا بين ما كنت عليه والآن، وتساءلت عن الناس، لو تأملوا وحاسبوا ذواتهم كما فعلت حقّا، هل سيعم الخراب كما الآن؟ وهل سيموت الفقراء ليس من الجوع، بل من التعصب والعنصرية والغباء والجهل؟ بل اكتشفت أن الجوع لا يقتل بقدر الجهل، وعاهدت نفسي بعد أن أخرج سأنذر عمري لمساعدة الجميع كي يتعلموا ولو التأمل فقط، حتى لو أثّرتُ في واحد فقط، فأنا مؤمن أن درويشا في زقاق ضيّق سيغير العالم.

    وحيدا في ظلمة إجبارية، لكنني لا أشعر بالخوف، بل صرتُ أكثر راحة، فلا أغبياء ولا ظالمين ولا متطفلين ولا جهلة ولا صخب... هدوء يحتل كياني، وسبات ممتع، لا أنكر أني أرغب بالخروج من هذه القوقعة، وأني أشتاق لشوارع البسطاء، وأحنّ لأحياء الأغنياء وقصورهم، إلا أنني مجبر على التخفي.

   لقد استمرت كثيرا الحرب حتى حجب دخانُها أشعة الشمس، وصارت الغيوم كُتَلًا من الدخان الأسود، وأخيرا تسلل إليّ الخوف، فصراخ النساء وبكاء الشباب ونحيب الأطفال وهم يمرون فوقي صار عاليا، وكثرة الجثث التي تراكمت فوق رأسي خفضت من سطح الملجأ، ورائحة الأموات ملأت أنفي، وتسرب الدم من تشققات الملجأ ليقطر على هامتي، حينها أمسى المكان مرعبا، ومللت حتى جسدي الذي أحبه، وتساءلت: ما ذنبنا؟ ما الذي اقترفه شعبٌ كل همه أن يعيش بسلام؟

    لقد مررتُ بأسوء ما في الحياة، ولست حزينا على نفسي، إذ إنني مملوء بالطاقة الإيجابية ومتصالح مع ذاتي ولا أنكر الموت وراضٍ عن نفسي، إلا أن الحرب لا تتعلق بمصيري أنا وحدي، الناس كلهم معنيون بها، وإنْ وجدتُ فيهم سعادة وأملا بقدوم حياة جديدة، وفرحا يتغيير نظام تعسفي، إلا أن شبح الموت ما زال يحوم على رؤوسهم ويأخذ منهم الغالي والحبيب، وأنا مثلهم الآن، أتشارك مع كتلة دم متجلط وتواريخ ولادات وشهادات وفيات.

    توقفت المدافع فجأة وابتعدت الطائرات وانكشف الغطاء، ومرّت الغيوم بيضاء تخترقها أشعة الشمس، وخرجتُ من ملجئي بعينين غائرتين وجسد هزيل، فرحا بعالم جديد وحرية وازدهار.

    ولكن، لم يتغير شيء، بل زادت وحوش الغابة عطشا للدماء، وسُحقت الحشرات الصغيرة، وتصحرت الأراضي التي كانت مليئة بالأشجار، ومات حلمي وحلم ملايين بعالم جديد... ورأيت أن الملجأ الآن آمنٌ أكثر من الفضاء المتسع بالحياة، فعدتُ من دون رجعة.