loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حقل النهود

breakLine

 

زهراء سامي | قاصة عراقية

ولدتُ في قبيلةٍ تلتهم أوراقَ الأشجار عند الصباح وتلتحف بلحائها عند المساء، كانوا يتجمعون واحدًا فوق الآخر عند الفجر، مثل التل ليضعوا أولَ مولودٍ تنجبه آخرُ نساءِ القبيلة مع صغار النجوم  ، فبعد أن كانت مزراعهم تعج بالنساء  أصابتهم لعنة الصقر الذي كلما رأته امرأةٌ فقدت حياتها مع رؤيته، لم يبق  من نسائها سوى امرأةٍ واحدةٍ بثدي واحدٍ، تمرر شفاه المرضى والمجذومين عليه ليتعافوا من دائهم الذي  يحلُّ عليهم في بعض المواسم والأوبئة.

لم تتمالك أحشائي الجوع فقد تركتني أمي بعد يوم من ولادتي وكلما شربت مياه المستنقعات زاد ألمي، ذاتَ مساءٍ سأل والدي أحدَ الفلاحين عن تلك المرأة الهرمة فأخبرَنا أنها تعيش في جبل الوهم، هرعنا إليها  بقلبين جائعين لاهثين كطفلٍ مفطوم للتوِّ، كان ثديها طافحًا بحليب أزرق بارد، ارتشفتُ منه قطراتٍ قليلةٍ وشبعتُ من طعمه المر، لا أعلم لمَ يقولون أن حليبها دواء لجميع الأمراض فمعدتي لم تحبه، حتى بقيتُ ليلتين طريحة الفراش بسبب ثديها اللعين.
أصيب والدي بحمى حمراء صبغتْ جسدَهُ وشيبَهُ الأبيضَ بالكامل حتى اختفى وشمُ القبيلةِ المحفورُ على صدرِهِ، أصابني الوجعُ وبعثرني الهمُّ وبدأتْ أجنحة أحلامي بالتكسر قبل أن تطير ،جرَّبتُ كل العلاجات العشبية والبحرية والشوكية ولم تجدِ نفعًا، بقي والدي على هذا الأمر حتى بلغتُ الخامسة عشرة من بؤسي، وطالما أخبرني أنه سيصطحبني إلى النهر حتى نصطاد السمكة الذهبية ولهذه اللحظة لم أفق من ذلك الحلم الذي وعدَ رأسي به. حملتُ والدي على ظهري وسرتُ متجولةً في أحياء القبيلة، علَّ هناك حكيمًا يشفي عمرَ أبي المتبقي ،سمعتُ صوتًا في زوايا المحلات، صوتًا يومئ بالوداع الأخير ، نفضتُ والدي عن جسدي وتبعتُ مصدر الصوت وإذا به صوت تلك العجوزِ المتآكلِ جسدُها وشعرُها الصوفي، طلبتُ منها إعطائي دواءً لوالدي قبل أن تموت ويموت، بصعوبةٍ بالغةٍ نطقتْ بحرف واحد مشيرةً الى ثديها تحاول إخباري سرَّ الوصفة، لكنها ماتت بلحظةٍ خاطفةٍ كالبرق، حينها فقدتُ خيطَ الأمل وطارَ عصفورُ الحلم بعودة أبي معافى، بقيتُ أكنس الدموعَ عن الطريق حتى طرقَ الأمل أهدابي الناعسةَ عندما عاد شريطُ ذكرياتِ طفولتي وكيف نجوتُ بفضل هذة المرأة المرمية الآن، أخذتُ خنجرَ والدي وعدتُ أدراجي لأقطعَ ثديها راكضةً به إلى الحقل، حفرتُ الأرضَ كما تحرث الثيرانُ الحقول، انبتُّهُ فيها وسقيته ماءً من النبع، أنتظرتُهُ يومًا بعد يوم أسبوعًا بعد أسبوع، أراقب نموَه كما لو كان طفلًا ينمو ويكبر في أحشائي، كنتُ جالسةً على حافة النهر وإذ بفتاة  ذات وجه مستدير أبيض يلون وجنتيها نمشٌ أسمر متناثرٌ على خديها العريضين، خرجتْ من أرضِ الحقلِ يحملُ صدرُها الثدي الذي زرعتُهُ لكنه نهد يانع ! لم أنبس بحرف عندما رأيتها، أصبحت لا أضحك، لا آكل، لا أشرب، لا ألعب، لا أعمل ،لا أبتسم، لا أبكي، نسيتُ كل عادات البشر، كانت تلك المرة الأولى التي يرف فيها قلبي لامرأة ، فهو حجرة صلبة لا تشعر بحرارة الماء أو برودته، نسيتُ والدي يموت مع وجعه ، تغيرت حياتي معها أضحك لفرحها وأبكي لحزنها، وذات صباحٍ استيقظتُ من نومي ولم أجدها في أي مكان بحثت عنها في الشوارع، المنازل، الكهوف، الأشجار، الجبال،  بين الصخور والرمال، في بيوت الحشرات، لكن لم أفلح بوجودها  سوى نهدها الكبير اليانع وجدتُهُ مرميًّا فوق قبر أبي، حملتُهُ كما لو تحمل الأمُّ فقيدَها بعينين ممطرتين، وسرتُ به إلى الحقل كي أعيدَ غرسَهُ من جديد منتظرةً عودةَ أبي.