loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

"حملة التاجر عبدالله بن فاضل"

breakLine

 


ياسين شامل || قاص عراقي

 

   لم أتعظ وأتوقف عن مسيرة الأوهام، فمذخري ما زال يعج بها، الأوهام الصغيرة لا تشفي جرحاً، ولا تغني من فقر، ولا تخرجني من دائرة حصاري المستديم ما بين المحل وعيني امرأتي الصغيرتين. قلت مع نفسي: ما دامت هي أوهام، لماذا أبقى أراوح في الحيز الصغير منها، فهي سرعان ما تضيع في خطرات البال المشغول بشتى الهموم، ماذا يكلفني طموحي هي مجرد أوهام، لأستل من سلتي وهماً كبيراً، وإن كان فيه مخاطر كبيرة، لا بأس، فالفائدة المرتجاة ستكون كبيرة أيضاً.
   بعد أن كويت آخر قطعة ملابس من "البالات"، شعرت بالإرهاق. كنت وحدي في صمت الليل، فقد غادر الجميع، قلت: "لأبدأ من الصفر، لعلي أصل إلى لحظة خارقة، قد تكون غير متوقعة، تأخذني إلى عالم بعيد، ثم تعيدني إلى عالمي القريب"، أخذت أخر رشفة من قنينة المشروب السحري، التي اخفيتها تحت وسادة مضجعي القديم في مخزن "البالات". اختفيتُ، ولا أدري أين ذهبت، وماذا فعلت. ثم عدت بهيئة أخرى، ملابسي توحي أني تاجر بصْري من زمن قديم قابع في طيات قصص ألف ليلة وليلة، ملأ "الجن" جيوبي بما يكفي من المال. 
   وضعت كرسيّ من القش في باب محلي، جلست بأنفة، مترفعاً على عملي. لا يليق بي أن أكوي ملابس "البالات" المجعدة. أخذت أغدق بالعطايا على الحمالين والمتسولين، فزادت هيبتي. حتى نسي الناس شكوكهم فيّ.
   في كل يوم عندما آتي في الصباح، أكون قد غيرت ملابسي بأخرى جديدة. من اليوم الأول لحضوري، تنبهت إلى "يافطة" قد عُلقت فوق باب المحل كتب عليها "وكالة عبد الله بن فاضل لتجارة البالات". ثم جاءني الخطاط الذي نفذها، أعطيته ما تبقى من أجره.
   لا أدري من أشاع أنني أصبت مالاً كثيراً من تجارة "البالات". ربَّما كنت أنا في غفلة عن الوعي، لماذا أضع الاحتمالات فقد أصبحت مقتنعاً كل ما جرى وإذاعة كل إشاعة قمت أنا بها. ثم أضفت إليها؛ لي بضاعة قادمة سأبيعها بسعر مناسب لمن يدفع (العربون)، وكي أكون صادقاً، أحرر له (وصل أمانة). 
  هذه البضاعة محدودة والسعر مناسب. لكن أين هي البضاعة الموهومة؟ كي تكتمل أطراف القصة، لا بأس، سأواصل الحكي حتى النهاية، وإن كانت في بدايتها مبهمة. 
 لم تقتصر الإشاعة على سوق الهرج، بل تجاوزته إلى أسواق الجنوب. بسبب الأقبال غير المتوقع من قبل التجار والعاملين الذين في نيتهم الشراء، صدقتُ الكذبة التي نشرتها بنفسي، "مثل جحا"، لا جرم، الحياة مليئة بالكذب، تبيّن لي أن الحياة يمكن أن تكون كذبة كبرى، الشاطر من يقدر أن يقلبها إلى الصدق في رؤوس الآخرين، يؤازره الحظ، فتأتي ثمارها لصالحه.  لم تكن لدي أية فكرة كيف للوهم أن يأتي بهذه الأفعال.
   لما تجمعت الأموال. في ليلة ظلماء، سمعت هاجس يهيب بي، جاء من ضمن أوهامي الكثيرة الناشطة والخاملة المؤجلة: "سافر وعرّج على مقهى التجار في العاصمة". 
 في تلك الليلة، كنت مليئاً بالحب. وعدت امرأتي، وعوداً كثيرة وطلبت منها أن تحفظ سرنا، ثم قلت لها:
-  أنني مسافر خارج الديار، ما دامت أوهامي معي، وحالما أستقر سوف أرسل في طلبك كي تلتحقي بي، قد سئمنا عيشة "البالات"، أمامنا فرصة ثمينة بعيداً عن رائحتها المقرفة، لن تلبسي هناك إلا الملابس الجديدة، الغالية الثمن، وتتعطري بأفخر العطور، وتأكلي أطيب الطعام. 
ما كنت أخدعها، بل كنت أشعر بأنني صادق معها، وما كان في نيتي أن أتخلى عنها.
قالت: 
- ماذا أقول للناس، عندما أُسأل عنك؟ 
قلت: 
- قولي ذهب "عبدالله بن فاضل ليأتي بـ "الحملة".
   استغربتْ امرأتي من هذا الاسم الجديد، فهي تعرف أسمي منذ كنت صانعاً في خدمة المرحوم أبيها وما زال لحد الآن " أسود الصانع". 
   هكذا أُشيع في السوق بين الناس، وبقي الجميع بانتظار "حملة عبدالله بن فاضل" كي يتسلموا حصصهم من "البالات". لا بد أن كل فرد منهم، كان يمني نفسه بالربح الذي سيحققه من هذه الحملة القادمة في وقت قريب.
   لا أعرف بالضبط كيف أوحت إليّ أوهامي أن أنتحل هذا الاسم الغارق في البعد، ولا أعتقد أنني الوحيد الذي له الاسم نفسه، سأجد الكثير من التجار يحملونه، فهو ليس حكراً عليّ. كنت لا أريد أن أبدو أمام امرأتي أني رجل أبله، كان يحدوني الأمل، أن يثير هذا الكلام رضاها، وتزداد ثقتها بما أقوم به من عمل.
  دخلت العاصمة مثل فاتح مشهور، رأيت اختلاف معالمها عن أيام "هارون الرشيد". ما دام أوهمت نفسي، بأنني تاجر "بالات" كبير، لأعيش مثلهم بعض الوقت، قبل أن أغادر من غير رجعة، ما زالت المراكب النهرية الراسية في النهر قرب المقهى،  تواصل عملها في الإبحار إلى الجنوب والعودة إلى العاصمة. لا أستطيع أن أتكلم لهجتهم، وإن اختلفت أجناسهم لهجتي تفضحني.  
   كان الصباح رائقاً عندما وصلت مقهى التجار، لا بد أن لهم أوهامهم من العيار الثقيل، تتناغم مع أوهامي، لكنني لا أستطيع التفوق على السياسيين المدعيين مهما كانت أوهامهم.
   كان لنا في الجنوب مقهى تماثلها، ليست بعيدة عن سوق الهرج ، أُقيمت على جانب نهر العشار قريبة من "مقام علي". فيما مضى، من السخف لو فكرت أن أجلس فيها، فأنا لا أعدو عن كوني صانعاً بائساً، لست مثل التجار الذين يديرون صفقاتهم أو يمدون جسور تعاملاتهم من خلال تواجدهم في المقهى، أما اليوم فقد تغيرت الأحوال، ها أنا أجلس في أشهَر مقهى في البلاد. 
  كنت غريباً عليهم على الرغم من أني لبست مثل ملابسهم، لكنهم رحبوا بي وأكرموني، جلب النادل الماء والشاي، وأشار أن حسابي مدفوع من التاجر "عبد الله بن فاضل" "يا للصدفة، حظيت بواحد منهم، فهم منتشرون في طول البلاد وعرضها. 
   كان الرجل يجلس على بعد "تختين" إلى يميني، شكرته بإيماءة من يدي فردها بكل احترام، إلا أنني توجست ريبة من هذا الانتحال العفوي، وخفت أن يريد مني توضيحاً لهذا التطابق بالأسماء. 
   كنت على وشك المغادرة، لأكن صادقاً معكم، كنت على وشك الهروب، لكن التاجر عبدالله، جاء وبادرني بالسلام وجلس قربي، قال: أراك أول مرة في المقهى. قلت: نعم أنا تاجر "بالات" من الجنوب. قال: أنا كذلك تاجر، انحدرتُ إلى تجارة "البالات"، بعد أن كنت تجاراً كبيراً. في فترتي الذهبية على الرغم من مشاقها، تضامن أناس معي وساعدني "الجن"، إلى أن حططت رحلي في هذا الزمن الأغبر، بسوء الحال وأفل نجمي، ولم يبقَ لهارون الرشيد غير شارع مهمل.
  تجارة "البالات" في هذه الأيام بائرة، أعتقد أنها خضعت للظروف السياسية والاقتصادية، لا بأس، لدي حملة من "البالات" لم أستطع بيع منها إلا القليل، إن كنت تريد شراءها أبيعها لك. 
 حقيقة لم تكن لدي أية حسابات مسبقة لهذه التجارة، أصلاً ما كنت أفكر بها. قلت: إذا كان السعر مناسباً، أشتريها.  قال: أنا بحاجة إلى المال، من أجل أخويين لي، سأبيعها لك بسعر الشراء.
   هكذا تحققت حملة عبدالله بن فاضل، ودخلت "البالات" الأسواق، كان الإقبال عليها قوياً، بعد أن منعت الدولة استيراد الملابس، وبدل الهروب والنصب والاحتيال، أوفيت بوعدي. بقيت أخبار هذه الحملة تتداول بين الأجيال، في حكايات الحكواتيين، وقصص الجدّات والتراث الشعبي، جيل بعد جيل، لو سُأل أي شخص من العاملين في سوق الهرج عنها، أو في أي سوق في الجنوب، في الزمن اللامتناهي، لقصّها كاملة. وسيأتي "عبد الله بن فاضل" آخر بعدي مثلما كان حاضراً قبلي.
  لكن الحدث المؤسف، الذي رافق وهمي هو خيبة الأمل الكبيرة التي واجهتها امرأتي.