loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حياة السيد كاف

breakLine

 

 


زهير كريم || قاص عراقي



سوف أمنحهُ_ أنا الراوي_ اسما لا يحمل  في لفظه معنى محددًا، إلّا إذا واجه من قبلكم أنتم تفسيرات عادة ما يهتم لها المتصوفون، أو اولئك المنشغلون بالحروفية، او الشغوفون بتغكيك الرموز وتأويل كل شي، لكن ذلك شأن آخر لم أضعه في حساباتي عند كتابة هذا النص.

(السيد كاف) يبدو اسما غامضا، أنا شخصيا لا أعرف لماذا اخترته، لكنه مناسب كما أعتقدت لشخصية تعيش في عوالم لها شروطها الوجودية الغامضة، وعلى كل حال، لست الوحيد الذي استخدم اسما لايعني شيئا، أو ربما يعني شيئا مهما من يدري!، لقد سبقني الكثير من كتاب القصص لذلك، بالنسبة لي، سأترك لكم حرية منح حرف الكاف المعنى  الذي تعتقدون أنه مناسب، أو كما تحبون، تعاملوا معه باعتباره لاشي.

حسنا، إن للأسماء دلالات في القصص، وهي تحمل على الأغلب معنى أوأكثر، شيء له علاقة بالمرجعيات الثقافية لكل قارئ، معنى يتقاطع مع طبيعة الشخصية ربما، أو أنه يذهب بعيدا كما لو أنه حشرة كانت تحوم حولها حتى النهاية دون أن تلتصق بها. ولكني في آخر الأمر لستُ متأكدا من كون السيد كاف موجودا فعلا في الواقع، ربما هو مجرد فكرة مبالغ في تحويلها لحكاية محشورة في المساحة الواقعية، مقاربة بشرية لا أعرف أن كانت بائسة أومبهجة عن فن العيش، على الرغم من كونها _ بشكل واضح _ تنطوي على راديكالية، السلوك الذي يقودنا لوصف بعض الناس الذي يتبنون القناعات المتشددة في النظر الى العالم.

والسيد كاف لم يقم منذ عشرين عاما بحركة تكسر روتين حياته، والتي كانت الخلاصة الدالة فيها تعتمد على إيمانه أن المقابل المنطقي للحياة هو الخيار، فمالم يختره المرء لا معنى له.

لقد كان هذا السيد في يوم العطلة يستهلك في الذهاب الى سوق الكتب خمس دقائق من المشي عن منزلة، ويبدو أنه اختار السكن هنا حتى لايختلط  لفترة طويلة بالناس، يقتني كتبه ثم يمر بسرعة على السوق، يشتري مايحتاجه خلال اسبوع من الطعام، يدفع خطواته كما لو أنه يريدها أن تتسع  بالقدر الذي يجهلها تتحول الى قفزة واحدة، لكي يحتفظ باحساسة الناعم الذي انتجته العزلة عن كل مايتحرك او مالا يتحرك في الخارج. هكذا احاول منح الشخصية قربا  من  الطبيعة البشرية، لا اريد بالطبع خلط الامور، لكنها مقاربة لابد منها.

وفي شقته الصغيرة التي تقع في الطابق الأول، يكتفي طوال فترة مابعد الظهيرة حتى موعد نومه في الساعة العاشرة مساء، بمرافقة الشخصيات في الروايات، والتي كانت تقاسمه الطعام والشراب، تذهب معه الى الطبخ، أو أنه يأخذها معه عند اعداده وجبته، تسمع معه الموسيقى، تذهب معه الى التواليت قبل أن تنام بجانبه، ليس بجانبه تماما، ولكن بجانب السرير. وبشكل مختصر، كان نشاطه المعتاد لايخرج عن التفاعل مع الحيوات المبثوثة في الكتب، مبتعدا قدر الإمكان عن مايطلق عليه الطبيعة الجافة، الخانقة التي يعاني منها البشر في الخارج، النساء والرجال الهائمون بدون خطة لنزهتهم القصيرة. 
ولابد أن القارئ يتساءل عن الأسباب التي قادت السيد كاف  ليكون فريدا في تصوراته، مختلفا في سلوكه، ومتطرفا في النظر الى ما نسميه فن العيش، حسنا، لابد من اسباب، يتعلق هذا بمنطق الحكاية ونسيج الحكي، لكن الأمر ليس مهما دائما، فالقارئ نفسه يستطيع أن يضع السبب الذي يعتقد أنه يناسب منطق التحولات التي طرأت على الشخصية، حتى ظهرت في النهاية بهذا الشكل، أنه شيء يشبه الفراغ الذي يتركه الكاتب ليمنح قارئه فرصة المشاركة في نسج الحكاية من خلال ملء البياض .
ومن الناحية الفيزيائية لم يسافر السيد كاف خارج النقاط المعتادة طوال العشرين عاما الماضية، هو يعتبر السفر في العوالم التي يدفعها كتاب الروايات اليه،  هي الطريقة المثالية للعيش، يقول إنها تتصف بالثراء والتنوع والسحر، بل بقدرتها على أن تتحايل على الزمن: وماهو الزمن؟. يسأل نفسه ويجيبها: ليس سوى تلك النزهة القصيرة التي نختارها نحن، لاتوجد في الواقع منطقة أجمل او اسوأ، خيار المرء هو من يحدد  طبيعة حياته، أما تلك التي يختارها او يجبرك عليها الآخرون هي شيء آخر من العار أن نسميها حياة! 
وفي العادة كان السيد كاف يهبط عند السابعة صباحا، يقف لدقائق أمام العمارة التي يقطتها، في زاوية يستبعد أن يواجه عندها احد الجيران، بتحية_ لامعنى لها _ كما يقول، يصل الباص المخصص لنقل الموظفين، يصعد مستقرا في المقعد الاخير دائما باعتباره اول الركاب، وهذا خيار منحته إياه فرصة  أن يكون منزله هو الأبعد . يفتح كتابه فيذوب مباشرة في غابة من الكلمات، يتيه في الصحارى حتى يسمع سفيف الرمل، يبحر مع القراصنة في البحار ومع الصيادين، يصعد مع المسافرين على متن البواخر العملاقة التي تقطع المحيطات، فلا يسمع أثناء ذلك سوى صوت الموج، يركب  في الطائرات، يمتطي الخيول ويذهب مع الفرسان الى الميادين فيشاهد كيف يموت الجنود، ممتلئا بصرخات الجرحى، وصرخات المحاربين الحماسية ، يتسكع في المدن البعيدة، القرى التي خلف الغابات، او التي على الجبال، يراقب السكارى في الحانات وتصله الموسيقى الصاخبة المنبعثة من الملاهي الحمراء، محتفظا بحقه بالنظر الى النساء الجميلات، ينظر وحسب، ويحدث  بالطبع  ان يحصل _ خاصة عندما يكون في المنزل_ أن يتحمس  فيدخل في علاقة غرامية مع إحداهن تستمر لعدة ايام قبل ان تأخذه رحلة أخرى فهو في سفر دائم ولا وقت لديه لأفكار تتعلق بالوفاء او الالتزام، يتدخل أحيانا في حوار بين شخصيتين  فينحاز لتصور احداها، وبهذا يمنح الحوار غنى واضافة لم تكن في بال الكاتب نفسه، يحب ويكرة لكنه لايجب ولايكره بالمعنى المتداول الذي تترتب عليه نتائج وتبني مبادئ، يخسر ويربح داخل هذا العالم الذي يتسع لأصناف غير محدودة من الحيوات، والمغامرات والمقمامرات بكل شيء، لكن السيد كاف احتفظ  دائما بما سماه المساحة الآمنة، في الحرب والحب والحوار، الذهاب بعيدا والعودة بدون خسائر، انها فكرة تبدو معقولة، تشبه تماما الفكرة التي أشار اليها (آلان باديو) في حواره مع نيقولا ترونج( في مدح الحب).  الحب تحت التهديد، تقابله عبارة( أن نحب دون ان نسقط في الحب، أن نسافر دون مواجهة متاعب السفر او مخاطره، نشارك في المعارك مثل اشباح، ونستمتع في كل شيء دون أن ندفع شيئا.
وهكذا كان يقلب الصفحات بطريقة الارتكاس البصري، الطريقة التي تجعله منفصلا عن المشاهد في الخارج، والتي تنسحب الى الخلف من خلال النافذة حتى يتوقف الباص بعد ساعة، تزيد او تنقص، إذ يشير له توقيته الداخلي انها المحطة الاخيرة، فيهبط وهو بالطبع آخر الهابطين. وخلال تسعة ساعات يقوم  بعمله في الدائرة التي تدرج فيها من موظف درجة ثامنة حتى الثالثة، إذ صار في النهاية المشرف على كل شيء، والشاهد الأمين على سيرة المكان بغرفتيه الرطبتين، والحارس على أسرار العمل.
وعندما تصل الساعة الى الخامسة، يصعد الحافلة من أمام البوابة، وباعتباره اول الركاب، يختار كالعادة المقعد الاخير، يفتح كتابه، ويرحل مع التجار عبر طريق الحرير القديم، او يدخل سجنا مع أحد الاوغاد، او يشارك في تظاهرة ضد الحكومة، يسمع اثناء ذلك موسيقى متنوعة، تضطرب مشاعرة بين الخوف والفرح، القلق، واحيانا يبكي، نعم يبكي فالموت على كل حال مثير حتى لوكان الميت شخصية روائية كائن من ورق، قال لي السيد كاف: شخصية روائية، هذا صحيح، لكني اتأثر لنسخته الواقعية الموجودة حتما في مكان ما، في زمن ما.

وفي هذا المفصل من الحكاية، لايظهر لنا السيد كاف سيئا او جيدا،  ليس حياديا تماما في مشاعره، بل أن عاطفته_ لو كانت لديه عاطفة_ تعمل بنظام المقارنة، هو يتخيل الواقع ويعيشه لساعة تزيد او تنقص، يتوقف الباص فيعرف حسب توقيته الداخلي انها المحطة الاخيرة، يهبط متوجها الى شقته كأن العالم فارغ من البشر، لهذا هو لايفكر فيما إذا قيل عنه واقعي أو أنه من نسج  الخيال، ولايعنيه أن راوي حكايته لم يمنحه اسما، فهو مكتف  بهذه الكاف التي لاتعني شيئا، او ربما تعني  كل شيء.