loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

خلف ستائر فيينا

breakLine

 

لوريس فرح/ كاتبة سورية

في مساء باريسي أقصى شمال غرب حديقة "شامب دي مارس" بالقرب من نهر السين، أمضوا وقتهم في التمتع بزيارة صرح "برج إيفل" العظيم.. كان بريق الأضواء هناك يُفْقِدُ البصر ويسحر القلب للروعة التي توزّعتْ بها الأضواء المتألقة فوق الإنارة الذهبية، حيث تقوم بإعادة الحياة إلى البرج لمدة خمس دقائق كل ساعة خلال الفترة التي يبقى فيها البرج مضاءً والتي تستمر حتى الساعة الواحدة ليلًا. بعد أنْ تناولوا طعامهم في الدور الثاني من البرج في مطعم (Le Jules Verne) تابعوا طريقهم لاكتشاف المكان المحيط به.. كانت لين تحلّق بروحها عاليًا أكثر بكثير من علوّ ذلك المكان. تشعر بأنّ جسدها بات خفيفًا كنسمات هواء كانت تداعب وجهها لحظتها وتجبرها على إغماض عينيها بين اللحظة والأخرى، تتلمّس سلامًا لذيذ المذاق تربّع على محيط قلبها بعد ذلك الانقباض الفظيع الذي تذوّقته بالأمس، وكأنّ باريس قد قرّرتْ أنْ تمنحها تذكارًا خاصًا ينسيها كل ما كابدته قبل وصولها إلى هنا.
جلست تالا على أحد المقاعد الخشبية بعد أنْ أنهكها السير بحذائها ذي الكعب العالي تتفحص بهاتفها الأماكن السياحية التي بإمكانهم زيارتها وشراء التذكارات، وكان رامي منشغلًا بالتقاط الصور هنا وهناك، ولين تحوم حوله كطفلة صغيرة. 
مع تساقط أول قطرات المطر على وجه لين انتفضتْ بنشوة جعلتْ جسدها يرتعش.. هم رامي بإخراج مظلته ليضعها فوقهما.. نادى تالا للانضمام إليهما، لكن لين كانت قد خلعت عنها معطفها ورمته على حافة المقعد الخشبي المقابل لها لتشعر بالخفة أكثر. أرختْ شعرها الطويل وراحت تدور وتدور حول نفسها كفراشة تحوّم حول الضوء.
- لين..
شدّها من يديها محاولًا كبح ابتسامة ذات لهفة غريبة دهمتْ وجهه على الفور: 
كفّي عن هذا.. دعينا نسرع إلى الفندق قبل أنْ نتبلل.. ارتدي معطفكِ ستمرضين إنْ أطلنا المكوث هنا.
جذبها المطر، كأنه جنّي تلبّسها.. وتدفق إلى خلاياها.. مدركًا بفطرة نشوته التي يدفقها على حين بجنون بأوردتها كيف يستفزها لمجرد أن ينسكب على جسدها.. أسلمت نفسها طوعًا.. تتمايل نحوه كعود خيزران.. تنقل خطواتها مغمضة العينين دون ارتباك لتلحق بنقاطه.. انتفضتْ كلّها حين بدأ يغسلها، شعرتْ بنهر من جمر يجتاح مسام جسدها البضّ، نهر أذاب من بين أصابعها طوق خاتم الزواج فسقط من إصبعها وغاب في زحمة المطر دون أن ينتبه أحد.
لم تكن تسمع بوضوح نداءات رامي وتالا البعيدة.. كانت تتماهى مع تلك اللوحة الجميلة التي رُسِمَتْ هناك وأصبحت جزءًا منها في ذلك المساء الباريسي، ورامي المذهول واقف أمامها يدقق النظر في هذه الأنثى المعجونة بصخب الجنون مبهوتًا منها وهي تستحيل أمامه ماءً كالمطر، فلم يكن منها إلا أنْ شدّته إلى مقعد خشبي وأوقفته عنده. قفزتْ على المقعد مديرة جسده للأمام وقد أصبحتْ خلفه مباشرة، أحاطته بيديها الناعمتين.. وخلعتْ عنه معطفه الثقيل.. حاول التكلم إلا أنها أشارت له بالصمت، رفعتْ رأسه إلى الأعلى، ويداه جانبًا وأدخلته في حالة استسلام آسر لما تفعل به. همستْ في أذنه من الوراء:
- أتخاف المطر!.
بدأ المطر يضرب جسد رامي بقوة كأنه ينبّه كل خلية فيه.. ينهمر على وجهه وعينيه المغمضتين بينما يوسّع الطريق لكل مسام جلده وينعشها.
بقيتْ على هذه الحال مثبتةً يديه ممسكةً بهما بأقصى قوتها إلى أنْ أحسّتْ بأنه استجاب لها ورفعهما من تلقاء نفسه، فابتعدتْ عنه مشيرةً إلى تالا بالقدوم أيضًا ومشاركتهما الجنون تاركةً إيّاه يتلمّس روعة هذا السحر. 
دخل في حالة استرخاء لم يذقها من قبل.. يشعر بأنّ المطر يسقط على قلبه وروحه.. يرفعه إلى الأعلى بعيدًا عن الأرض. راح يدور حول نفسه ولا يزال مغمضًا عينيه يحاول فتحهما ثم لا يلبث أنْ يغلقهما مرغمًا تحت ضغط الماء المتساقط على وجهه.. كان في هبوطه عليه يحرّر كل موقع ألم أو تعب أو تشنج يعانيه.. يشعر أنّ جسده ارتفع ليطاول الغيوم.. توقف ضجيج رأسه فلم يعد يسمع سوى صوت انهمار المطر.
▪︎▪︎

مقطع من رواية الكاتبة التي تحمل العنوان أعلاه .