loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

دنيا أم كلثوم

breakLine

                           

 


رغد السهيل || قاصة عراقية


عراقيُ هواهُ وميزة فيناالهوى خَبلُيرب العشق فينا في المهودوتبدأ الرسل·​​     (مظفر النواب)تستمتع الساردة وهي تصيد حوارا لطيفا مختلفا، ظاهره إيقاع لسه فاكر، وباطنه إيقاع كيفك أنت·· فترمي الساردة سنارة الصيد في المسافة الفاصلة بين الظاهر والباطن بانتظار ما ستحصل عليه، فلنراقب·- لماذا أغلقتِ الهاتف يا سعاد؟- لا·· بل انقطع الخط، خطوط التواصل ضعيفة هنا، وأنتَ في قارة بعيدة··- صدقيني لم أكن يوماً بعيداً···تنفست ذاكرتها عبقاً عتيقاً، ولم تشعر بالسُكْر، فليس كل عتيق خمراً، سرعان ما يسحبها من خواطرها وجه رجل معلق فوق الجدار، لماذا تعلقين صورتي في مرسمك؟ لتظل في رفقتي حين تغيب، أعدكِ لن أغيب طويلا، لكن المفخخة غيبته إلى الأبد، صمتت طيور الكناري في المنزل حتى هوى أحدهما ميتا في القفص، ولم يصمت حزنها منذ رحيله، ولكل زمان استحقاقه من الدمع، فقصص الدموع تتنوع ظروفها وتتباين شؤونها، بعضها وهم نكتشفه مع مضي العمر، وبعضها صدق يرحل عنا مسرعا، وتحرق الدموع الخدود في جميع الأحوال·تدخل باب قصة الأمس: عودت عيني على رؤياك، وبقيت في انتظارك أتلوى على جمر الهوى بعيدا عنك، حتى حيرت قلبي وأصبح الهوى غلاباً، ولأن القلب يعشق كل جميل يامسهرني، غلبت أصالح روحي، وقررت أسيبك للزمن حين حكم علينا الهوى وظلمنا الحب في ثورة الشك، اسأل روحك لم تقف اليوم على الأطلال؟ انت فين والحب فين لسه فاكر؟ أم دارت الأيام وعدت لسيرة الحب؟ خبرني جددت حبك ليه؟!بلى··· إنه صوته هو، كيف وصل إلى دربها بعد مضي كل ذلك الزمن؟ تنفض ذاكرتها حملها حين نقل البريد حلماً ملوناً بقوس قزح، وتنبأ القلب بمواعيد الردود؛ عانقت رسائله عناقها لطفل، حفظتها كقصيدة، ترددها كتعويذة حتى يداهمها الوسن وتسدل جفونها، فاللحب الأول دلال زهرة الغاردينيا وسط حدائق بغداد، وعطر قداح أشجار النارنج في الربيع، والقصائد زقزقة بلابل عراقية، ويزين الحياء الحكايات العتيقة كما تزين الشناشيل الملونة الدروب، فتتألق العيون بالصدق والبراءة، حينها تخرج من الجامعة وانتقل للعمل في محافظة بعيدة، تلبستْ هي روح مي زيادة قالت له أنت جبران، فولدت شعلتهما الخاصة بحفنة من الرسائل المتبادلة التي تنافس رقتها مراسيل أوراق الورد·تقطع كلماته شريط ذكرياتها وهو يدور أمامها: سعاد لماذا تصمتين؟- أنا·· أنا فقط تفاجأت، كيف حالك؟- بخير ما زلت أصغي لشمس الأصيل·· أتذكرين؟!تابعت أحداث شريط الأمس، كانت محطة انهمر الحب كله فيها، وكان الحلم عبارة ترددها هي غدا ألقاك يا أمل حياتي، وعندما فات الميعاد ياظالمني وضعت للصبر حدوداً، كم غلبني الشوق من أجل عينيك، وأنا سهران لوحدي ألف ليلة وليلة أراك عصي الدمع، تحرقني الذكريات وأسحب لوعتي ليلي ونهاري، وأردد أروح لمين ويامين ينصفني منك، لم أتوقع أن أنساك، لكنه حدث وهجرتك، ترج ذاكرتها، وتنفض غبار الليالي العتيقة، لم لا تغلق النقال ثانية؟ كان هراء أطفال!·تضغط نبراته على جرحها القديم:- تابعت أخبار نجاحك وتفوقك في فن التشكيل، لقد غدوت فنانة عظيمة لها سمعة رائعة، كم أنا فخور بك، أخبريني عنكِ، كيف هي أحوالك؟أقبل نحوها رجلٌ خارج من صورة الجدار: سآتي معك لبيروت يا سعاد، لن أتركك وحدك، سأساعدك في ترتيب لوحاتك في المعرض، يا زوجي العزيز لديك عمل مهم في بغداد سأتدبر أموري، ليس عندي ما هو أهم منك·· طشره الانفجار لم يسافر ولم يسافر·· رحل الحبيب وحده، وكل ما تبقى صورة معلقة على الجدار·ضغطت على الكلمات بين شفتيها تاركة مسافة برهة بين كلمة وأخرى: كيف تذكرتني بعد كل هذه السنين؟رد عليها سريعا بكلمات متدفقة كمن أحسن حفظها: ويحك··· أتظنين أنني نسيتك؟ يشهد الله أنك لم تفارقي خيالي، لقد هجرت الشعر ولم أعد أنشره منذ أن افترقنا، اسمعي لقد كتبتُ عنك ثلاثة دواوين، سأنشرها ذات يوم لتكتشفي بنفسك مقدار حبي لكِ·- نعم؟!- ألديكِ شك؟- دعكَ من هذا، خبرني عن أحوالك·- هاجرتُ منذ سنوات، ولديّ سبعة أولاد سأرسل لك صورهم إنهم شباب الآن··تلتفت البطلة وتنهر الساردة طالبة منها أن تخرس فيروز التي تغرد في جهاز التسجيل: >أنا والله كنت مفكرتك براة البلاد·· شو بدي بالبلاد الله يخلي الولاد<··تسألها الساردة: لماذا؟تتوتر البطلة وتعبس: لا تستفزيني ولا تتدخلي في شؤوني·· وتعود تواصل متابعة شريط الفلم العتيق، انقطع البريد فجأة، فلا مرسال ولا خبر··· سأسامحه، سأغفر له، أعرف أنه رجل كله خطايا لكنني عشقت فيه تكاملها، لقد تعاهدنا فكيف له أن يهجر بحري الوافر بالإخلاص؟ عليه أن يرد على الأقل بالحسنى· تقول هذا لصديقتها وهي تشتكي من حمى العشق، وذبول جسدها، ما عادت الجفون تُسدل، والعبرات الصامتة سيول صاخبة، تحرق وجنتيها، وهو لا يردَّ على رسائلها، ولا يرسل من يكلمها، ما أقسى الهزيمة في الحب الأول، ما أشد آلامه وما أصدق خفقاته، حتى أرسلت له رسالتها الأخيرة ومهرتها بدمعها فتموج كحلها فوقها:(أنا ما زلت على العهد محافظة، إن خلعت أنتَ العهد وتجد حرجاً في الرد، أعد لي هذه الرسالة فأفهم، لأكون حرة طليقة)··ما أحوجها إلى الحب اليوم وهي أرملة وحيدة، يخطر لها أن تحاول فتح قلبها ثانية، فلا تلتقط من نبراته إلا شعورها بالاستفزاز:- آه هل أحلم؟ أيعقل أن أعثر عليكِ بعد كل هذا العمر؟ رحم الله زوجك، لكنني واثق من وفائك لي، فمن المستحيل أن تنسيني!··تموج أمامها ختم هجرانه حين أعاد لها رسالتها، دونما كلمة، دونما اعتذار ودونما توقيع، ليرد بعد ثلاثين عاما:- اسمعي ما حدث كان أمراً خارجاً عن إرادتي، كنت مرغماً على هجرانك، بعد أن هددني أحد أقربائك بقتلك بحجة الفارق الاجتماعي بيننا، تركتك لأنقذ حياتكِ، لقد أصابني انهيار عصبي ونصحني طبيبي بالزواج، فأطعته لأمنحك فرصة لنسياني·· أيضاً··تداهمها الفكرة ثانية لتحاول أن تلين، ترق، تشتاق، إنها في ظمأ لكلمة حب، لكن لم يعثر لسانها إلا على عبارة: والآن تمنحني فرصة لأتذكرك!- كنت أبحث عن هاتفك منذ سنوات·· اسمعي سأنقذكِ، سأجلبك لتعيشي معي هنا في السويد·ردت بهدوء: تنقذني؟!- حسناً حسناً··· لنعد أصدقاء كالأمس··- وهل يعود الأمس؟-أرجوكِ لنحاول··- أظنني أحببتك على ميزان البحر الطويل يوماً، لكنك تعزف لي لحن الحداثة في الحب بعد ثلاثين عاماً!- اغفري لي أرجوكِ·- يا عزيزي، غفرت لك منذ زمن طويل، وانقضى زمن تلك الدموع··أغلقت النقال، تحاصرها نبرات زوجها: لن أتخلى عنك يا سعاد حتى لو كنتِ عاقرا، لن أتزوج أخرى أنتِ عمري··· اغرورقت عيناها وبكت الساردة معها··