loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

راكبٌ واحدٌ لبروكسل

breakLine

هاني نديم - شاعر وكاتب عراقي

 

لا أحب مدينة في أوروبا كما أحب بروكسل، ذلك أنها لا تفرض نفسها عليك بجمالها الباذخ كما تفعل باريس، ولا تثقل خفتك بوطأة حسبها ونسبها كما تفعل لندن، كما لا تشاركك تاريخها بشكل فاضح كما تفعل روما. إنها مدينة كفتاة بجديلتين تذهب إلى مدرستها دون "ميك أب" وتغني للفراشات طوال الطريق فتذوب في حبّها.

لعل هذا التوصيف هو ما جعل بلجيكا مقراً ومنبتاً وملهماً لعظماء كثر، هنا ولدت أودري هيبورن التي أعشق، في المنزل رقم 48 بشارع كينفيلد في إيكسل، وفي إيتربك ولدت لارا فابيان "حبيبتي الأزلية" المغنية التي سرقها الفرنسيون كما سرقوا جاك بريل العظيم وتان تان مع كلبه وصديقه ومغامراته.

 

لقد فعلت فرنسا ببلجيكا كما فعلت أنجلترا بإيرلندا، أخذت ما طفى من قشدةٍ وتركت كل الرواسب، أنجلترا بدورها سرقت من إيرلندا ييتس وأوسكار وايلد وجوناثان سويفت وجيمس جويس وصمويل بيكت بل وحتى جورج برنارد شو!

 

بروكسل مدينة جذابة جداً لمحبي البساطة وعدم التكلّف، وإذا كانت معظم الدول والمدن تتخذ شعاراً مهيباً لها يترجم عظمتها، كالنسر والتنين والأسد وغير هذا من عظيم المخلوقات، اختارت بروكسل طفلاً صغيرأ يمسك عضوه الذكري الذي بالكاد يُرى ويبول على المدينة كثيمةٍ لها! بروكسل تقول من خلال هذا الطفل الذي أطفأ فتيل بارودٍ كاد أن يودي بالمدينة بكل براءة أنها - ربما - محمية ببراءتها وطفوليتها.

 

إنها مدينة فان دام، لا أعني بطل الأكشن الهوليودي الشهير رغم أنها مدينته أيضاً، أعني جوزيه فان دام مغني الأوبرا الذي لا يتكرر. مدينة الشوكولا والكارتون والبطاطا والوافل والبهجة الناعمة. الناعمة جداً.

 

فيكتور هوغو أحد أبطالي الكبار، عاش هنا ردحاً من الزمن هرباً من نابليون، هوغو الذي رحّب به عمدة بروكسل قائلاً: "مرحباً بفيكتور هوغو صاحب المجد الذي يستغني بمجده عن كل ما أستطيعه من ثناء". هوغو أيضاً يقول عن ساحة Grand Place إنها أجمل ساحة في العالم، وطالما قال هوغو ذلك فعليك التفكير ملياً بتلك الساحة التي تجمع الفن البروتستانتي مع الكاثوليكي والأرثوذكسي بحصافة بصرية منقطعة النظير. إنها مبهرة بحق!

 

كانت بروكسل وما زالت ملاذاً آمنا للهاربين من صخب السياسة والمجتمع الباريسي الزائف والمتعب في كثير من الأحيان، كما شكلت ملاذا أيضا للفلامنكيين الضاجين من هولندا وغرب ألمانيا، فيها التقى ماركس وإنجلز وفيها تشكلت رابطة الحزب الشيوعي، فيها متحف "المعلمين القدامى" الذي أسسه نابليون للفنانين الفلامنكيين الكبار وفيها متحف السيارات الكلاسيكية الأجمل في العالم، مثلما فيها أول سوق مسقوف في تاريخ البشرية وأعني "غاليري سانت أوبير" الذي بني عام 1837.

 

في غرفة فندقٍ هنا، لم نعثر سوى على لوحةٍ توضح مكانه، اجتمع فيرلان مع رامبو الذي كان يعتزم الهجرة، وكان فيرلان قد اشترى مسدساً وخمسين طلقة من مكان قريب لينتحر كما قال محضر الشرطة، وحينما لم يستطع أن يثني رامبو عن قراره، صرخ في وجهه: سترحل؟ خذ هذا إذاً! وأطلق عليه رصاصتين استقرت واحدة منهما في ذراعه. سجن فيرلان في بروكسل وتاب عن إدمانه وعبثيته ثم مات بعد أن نال لقب أمير الشعراء بعامين.

 

تردّد في الأوساط الفرنسية حادثٌ من أغرب ما يكون، إذ قيل إن تمثال أبوللو آلهة الشعر والفنون المنصوب فوق دار الأوبرا بباريس حاملاً قيثارته، كُسرت إحدى يديه أثناء مرور جنازة فيرلان من تحته في إشارةٍ ربانيةٍ لحزن الشعر.