loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

روميو وجولييت في جسر ديالى

breakLine


تحسين علي || كاتب عراقي


قد تبدو  بأنها نكتة، لكنّها الحقيقة. إذ بين أكداس الأثاث التالف، والسجّاد المهترئ، وأجهزة الراديو والتلفزيون التي جاء عليها الزمن، وعلى طاولة خشبية أنيقة وحزينة، وكأنه قد جيء بها عنوة من منزل صاحبها إلى قارعة الطريق الذي لا يلتفت فيه أحد إلى الآخر دونما رغبات دونيّة: رأيت ذلك الكتاب. لقد كان هناك وحيداً، على تلك الطاولة. تخيّلت آنذاك، أن له عينين، وأنه ينظر إلى المدينة التي لا تشبه (ڤيرونا)، إلا بالحقد الذي  التي صار يجمع أهلها في ما بينهم. أشعلت سيجارة، وأنا أرمق الكتاب الذي حكى لقرون طويلة قصّة طويلة عن كيفية مداواة جراح الكراهية بالحب، دون أن ينجح ولو لمرة واحدة في مسعاه: فأيُّ حبٍ هذا الذي يموت من الجوع؟
لقد كان كتاباً حزيناً، ولولا الخجل، لسألت عن سعره، لا لكي أضعه في مكتبتي، وأقرأه فيما بعد؛ بل لأنقـذه مع هذا العالم الذي يتآكل ويتآكل ويتآكل..
لكنّني الليلة، وبعد جرعٍ كبيرة من الخمرة، أويت مسرعاً إلى الأريكة التي ألوذ بها. نمت أربعة ساعاتٍ بدت طويلة بما فيه الكفاية لتوقظني على كابوسٍ طويل. لقد شعرت بأني ذلك الكتاب: بارد، حزين، كلماتي المتوَهجة يعلوها رماد الأسى والخيبة. وفوق هذا وذاك، أشعر بأنّي في عالمي الصغير الذي أحاول تلوينه بنشراتٍ ضوئية وكتبٍ كثيرة، ما أزال أشعر بالتراب الذي يتخلل أوراق الكتاب الحزين، يسفع خدّي: يا لهذا العالم الصغير الذي أرتكن فيه إلى أريكة لا تكاد تكفي جسدي، وأشعر بأنها المكان الوحيد الملائم لي فيه.
غدًا صباحاً أو في المساء؛ فلا فرق هناك للمنسيين، سوف أشتري ذلك الكتاب. ولا أظن حقاً بأنني سأجده: لأن الطاولة الخشبية تبدو أنيقة كفاية لتغري أحدهم بشراءها. وحينذاك، سأنام كما أيُّ بائسٍ على الرصيف.