loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

(سائقو العربات..)

breakLine

 

سلوان البري || كاتبة ومترجمة مغربية



منذ أشهر قليلة قررت سيارة ضخمة أن تتجاوز حدود الشارع الضيق عابرةً للرصيف حيث أمضي وحدي بعد يوم دراسي طويل تصحبه درجة حرارة منخفضة كعادة أيام ديسمبر..لم يكن حدثًا جللًا ولم أستغربه؛ ففي مدينتي تكاد تنعدم الشوارع حيث تأكلها واجهات المحال والمطاعم المتلاصقة، وبمرور الوقت أصبحت حتي الأرصفة غير آمنة لعابري الطرقات! لم أتوقف عند الأمر إلا عند رؤيتي لوجه السائق..كانت فتاة تحمل تقاسيم وجهها ذكرى شبحٍ قديم لصديقة عرفتها يومًا....

بعد تبادل نظرات خاطفة -تأكَدَت لكل منَّا فيها هوية الآخر- قررت صاحبة السيارة أن تغادر!!! لم تحاول الترجل من مقعدها أو حتى الاطمئنان على من أوشكت أن تدهسها منذ لحظات..فقط بنظرات ثابتة، قررت الرحيل!

طوال الطريق، ظللتُ أفكر فيما حدث، لم يكن بيني وبينها أيًّا من أنواع الخلاف يوما ما!

في عقلي تزاحمت الذكريات عنها...تذكرت كم ضحكنا معًا، وتنافسنا دراسيًا معًا..وكم من مرة خاطبنا بعضنا البعض للاطمئنان علي صحة الأخرى..تذكرت قطع الحلوى الصغيرة التي تقاسمها بنهمٍ طفولِي بين فواصل دراسية قصيرة....واسترجعتُ إحساسي بقطرات المطر وحرارة الشمس التي واجهناها في كل عام دراسي جمعنا، وتراءت أمامي مشاهد لأعياد وأفراح ومناسبات احتفلنا بها سويا..لكني لم أتذكر قط متى انقطعنا عن مهاتفة بعضنا البعض!! كل ما في الأمر أننا قد كبرنا، وتفرقت بنا دروب الحياة...

لا أعلم بماذا فكرَتْ وقتما قررتْ الرحيل بهذا الثبات..ولا أعلم هل زارها طيف الذكريات مثلي أم لا...! كل ما علمتُه في تلك الليلة هو أن الحياة قاسية! فبإمكان الأصدقاء أن يصبحوا غرباء؛ وبإمكان الغرباء أن يصبحوا عالمنا بأسره في برهة من الزمن! أيقنت أنه لا يمكن وضع سقف للتوقعات أو التنبؤ بالأقدار، وأن الذكريات الجيدة وحدها قد لا تكفي لنكون محبوبين عند أحدهم...!

تعلمت أن مدينتي الصغيرة تسكن في شوارعها الضيقة أشباح كثيرة لمن عرفناهم يومًا .. لا نعلم أين يمكن أن نتعثر بهم، ولا كيف يمكن تفادي رؤياهم، لكني تعلمت -بالتجربة المرّة- أيضًا أن أتجنبهم بألا أنظر في وجوه سائقي العربات مرة أخرى!