loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

سجنٌ هنا.. محجرٌ هناك

breakLine


أفراح الهندال || قاصة كويتية


تحاول إقامة علاقة مع الجدران المحيطة بك، تعرف يقينا أن هذا المتصدع فوقك ليس سقفاً، تخطّ عليه ما تشاء من شعر وذكريات وخطوط متراصة تنقذ ذاكرتك المترنحة بثقل الزمن، تبوح له بقائمة الممنوعات الطويلة. أنت في زنزانة انفرادية، قلبك في محجرٍ صحي، العالم سجين الوباء، والكل يتساقط!

تُسمى الزنزانة باسمك مؤقتاً، سرعان ما يصبح رمزاً، لينادوك برقم مبهم يستحضر لعبة جميلة أو حادثة مطمورة، أو مُكرَهاً يذكّرك بتهمةٍ تقمّصتك حتى ذابت في جلدك.

في الزنزانة الانفرادية لا يهمك الزمن الراكض في ساعتك المصونة بصندوق "الأمانات"، توقيتها معلّق بوجه وابتسامة واحتفالٍ لا ينتهي.. سِعته قلبان.

لا تثق بالشمس المطلة من النافذة، "آاااهتك" تراقص الظل المبلل، تستكشف مناطق الفرح المطمورة في جسدك، تشكل ظلالا إضافية على الجدران بيديك، وتدرك فجيعة أن لا يحتفظ حائط برسمك..!


كل ذلك لا يساوي ثمن ظلك، وذلك كله عاجز عن أن يخبرك بموعد حرية.. أو انعتاق موشك بأي شكل كان:

- ما زلت تتنفس.. ألا ترى؟
- الحرارة تذيبني، شرّحني هذا السعال.
- عليك التمهل..
- أنا أنصت، أتلمس ما تبقى، وعليها أن تقوم!
ترأف بحال التلاميذ والأطباء والمعلمين والعسكريين، العابرين في المهمات، أولئك الكادحين، ولا تجد فرقا بينهم ومُعذّبي العالم الآخر، تدور أمامك طاحونة التعب ولا تميز الكائنات التي تحركها، تتذكر لهاث السيارات في الشوارع التي تمضي بغير عودة..، كم تشبه العالقين في انتظار قيامة.

- توقف العالم منذ شهرين.
- قلبها ينبض
- مقامك في السجن طويل..
- حلمي في زيارتها أكبر.
 

تتخيل المرضى في تهاويهِم، المنتظرين في البيوت على نار الحنين، والسجناء -كأنت- يقلبون الصور التي لا تتشابه، تجرب الشعور بالانكسار، انكسار الظهر وانكسار الأنف وانكسار الصوت وانكسار الدمع، لم تكن تراهم قبل ذلك، وهي.. تتأملها في الأبيض المترامي.

على أحدكما النهوض سريعاً، لا يمكن ترك البيت خالياً، كنت تقول لها "عيشى الحلم بعيداً عني"، وكانت تقول لك: "العيش خالي الوفاض من دونك.."، ألم يحن الوقت لتنفض كابوس اليأس عما تبقى؟ على أحدكما أن يحاول، ليس النوم راحة وهو يفضي إلى الموت.

- سنة ربما؟
- سنوات على الأرجح.. ما لم تترك يأسك.
- كنت أريدها للحياة..
- الحياة ليست في التأسي.
تعترف لظلك على الحائط،  تقول له إن الوقت يتوه منك، تطلب منه أن يقاوم ويحاول تزجية الوقت بتحريك المصباح لعل الوقت يتسارع، تحتج باللحاف الرث، بالمرايا المكسورة، وانعكاسات الزمن المتأرجح كساعة قلقة، تحطم المصباح، لكن العالم لا يتوقف عن الهذيان.