loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

سوء حظ إسمه الحياة

breakLine

 

 

 

علي أزحاف/ كاتب مغربي

 

 

 

أتعلمين صديقتي، أننا أصبحنا نعيش داخل قبر، قبر واسع لا قعر له ولا نهاية. 
أو ربما القبر أفضل حالا منا؛ هو على الأقل، قد تنبت حوله أو فوقه بعض الأعشاب البرية. قد يزوره من يتذكر الموتى.
قبرنا نحن، قبر يحفه الفراغ، يطل على هاوية، قبر جماعي، لا يُعرف لنا فيه أسم أو هوية.
قبر بدون ذاكرة، يبدو للذين يمرون فوقه، مجرد أرض خلاء، مهجورة، ليس لها صاحب. 
فلا تحاولي، صديقتي، أن توهمي الموتى أنهم أحياء.

أتعلمين صديقتي، أن كل هذه الأضواء، كل هذا الصخب، كل هذه الصور وهذه الأقنعة، و كل هذا الكلام الجميل المنمق، الذي يغرق فيه الإنسان عوالمه الضحلة، ليس سوى محاولة يائسة للهروب من  حقيقة حتمية مصير الوجود ومآل العالم، محاولات غبية للتغطية على صوت الموت بأصوات زائفة، تتداخل، تتعايش، تتصارع في فوضاها الدائمة من أجل الديمومة المرحلية في الزمن. وأن الزمن، رغم ذلك، يمتلك القوة الوحيدة التي تنهزم أمامها الكائنات؛ قوة المحو، أو الموت . ليستمر وحيدا، مخلفا للتلاشي كل ما عداه.

أتعلمين صديقتي، أن الذين ينعون أصدقائهم، أو أحبابهم، يبدون، في الغالب، حزانى جدا، لكن ليس حزنا على من مات، لكن حزنا على حيواتهم التي، تذكروا ساعتها، أنها رهينة للرحيل واللا أبدية، وأن كل من يرحل، يأخذ شيئا من عمرهم و زمنهم معه، وكل من يدفن يسحب معه بعضا منهم إلى أعماق التربة والسواد، ويحكم على بعض ذاكرتهم بالنسيان والفناء.

أتعلمين صديقتي، أنه رغم ذلك، يستمر الكل، في الرقص، والاحتفال، والغناء، واستعراض الصور والمنجزات، والبطولات الصغيرة، وأن الفرح هو الوجه الآخر لعملة الحزن؛  عملة بوجهين، حين تلقى في تلك الفسحة الممتدة بين الأرض و السماء، يصبح الأمر مجرد ضربة حظ، قد يحييك أو يميتك، يسعدك أو يحزنك، لكنه مجرد حظ عابر غير خاضع لأي قانون أو معايير أو خلفيات سابقة.
قد يموت الإنسان في حرب، أو في سرير، أو في حادثة سير، بين أحضان امرأة،  على حافة كونتوار، أو على كرسي مهجور في حديقة عمومية ..لكن تبقى المسألة مجرد حظ يجعل من الحياة فكرة تافهة و من الموت فكرة مقبولة، ومن الإنسان كائنا محتملا.

أتعلمين صديقتي، أن الإنسان مجرد ابن حظ، أو بالأحرى مجرد ابن سوء حظ؛ سوء حظ حاولت الأديان،  والأساطير،  والفلسفات و ...أن تفسره، أو على الأقل أن تقدمه في شكل مقبول ومعقول ومبرر. لكنها لم تستطع، ليتدخل الفن بسحره الخادع ليجعلنا نصدق أن الحياة جميلة، وأنه، لولا ذاك  ال" سوء حظ"، أو الحظ، ما كانت الحياة  محتملة، وما كان لوجود الإنسان أي جدوى في ملكوت الرب الغامض الغير متناهي، المستعصي عن أي فهم وإدراك. وأن الشر علة الحياة والخير أيضا.

أتعلمين، صديقتي، أنني لا أدري من تكونين، وما إسمك، ولا أدري لم أكتب إليك هذا الكلام، ولم أكتبه، أصلا.. أم أنه الحظ، أو سوء الحظ، من تركني وحيدا هذه الأيام، في حالة من الكآبة المزمنة و الهذيان الواعي، جعلتني أعتقد أن الكتابة، ستجعل، ربما،  رداءة الحياة من حولي مستساغة، وأن من " الفن"، أن أتخيل صديقة، أكتب إليها كلاما هلاميا، قد يكون من حظها أن لا تفهمه، ومن سوء حظها أن تفهمه.

أتعلمين صديقتي، أن العالم مهما شسع واتسع، لا يملك منه الإنسان سوى تلك المساحات التافهة التي تطؤها خطاه وهو يتقدم نحو الهاوية، وتلك الحفرة التي تنتظره في آخر النفق، لتحضن جسده العاجز أمام الموت، في عناق أخير، لتعود أمانة الطين إلى الطين، ويعود الماء إلى الماء.

أتعلمين صديقتي، أن ذلك الوهم الجميل الذي نسميه "حياة"، ليس سوى مسافة قصيرة يقطعها المرء وحيدا، تائها في غربته، منذ أن جُز  حبر السرة الذي كان يربطه بأمه، وهو يغادر الرحم نحو المجهول، مُستقبلاً الدنيا بجسد عار، بعيون مغمضة وفم يصرخ. وأن كل ما عدا ذالك مجرد احتمالات يومية لتحمل ثقل الكينونة وسط وجود غامض، يموت فيه الكائن  كل يوم ألف مرة، دون أن يلمس، ولو هنيهة، بصدق، عمقه أو يستكنه حقيقته.

أتعلمين صديقتي، كم هو الإنسان بائس  في وحدته،  يائس في رحلته نحو مصيره المحتوم، وحيدا مهما تكاثر الناس من حوله، مهملا لقدره، مهما امتلأت حياته بالإنتصارات، والمنجزات، والنجاحات، والإخفاقات الكثيرة، وقطعان الحيوانات والبشر. ومهما كبرت أوهامه وأحلامه، يظل دائما مسكونا بذلك الشعور الغريب؛ الشعور القاتل، بالنقصان واللا اكتمال، ضائعا بين الشك واليقين، بين الحزن والفرح، بين الحب والكراهية، بين وبين...ويغادر نحو مثواه وفي نفسه أشياء من كل ذلك، تترسب في أعماق وعيه مثل مرساة عملاقة تمنع سفينة عقله من الإبحار نحو أفاق معرفة الوجود و أسراره. ليكتشف وهو يرفع إصبعه نحو السماء، في شهادته الأخيرة،و هو يحتضر ، أن الحياة مجرد مزحة..مزحة ثقيلة جدا.

أتعلمين صديقتي، أن الإنسان حين اشتدت عليه لجة الوحدة والظلام، اخترع النار، وجعل منها آلهة يعبدها، يطبخ فوقها طعامه، يستدفىء بها ليالي الشتاء الطويلة، ثم اخترع الأساطير، واللغة، وأطلق الأسماء على الأشياء، فكان التاريخ. و اكتشف أن له ذاكرة، وأن للذاكرة عدو إسمه النسيان، فخضّب أصابعه بألوان الطبيعة، ورسم على جدران الكهوف أشكالا و حيواتٍ متخيلة، تشبهه، كي يخلد في العالم. لكن الموت بقوة محوه، كان أقوى منه ومن أساطيره و من كل الرسوم والذاكرة، فلم يبق منه سوى تاريخ متذبذب عرضة لاغتصابات وتحاريف الأقوياء...فلم يجد أمامه سوى الشعر ليُسكِنه مايرى، ويحس،  ثم أودع اللغة أسراره العميقة، وأطلقها أصواتا تحاكي الطبيعة، فسمي كل ذلك موسيقى...ولا يزال .

أتعلمين، صديقتي، أن الإنسان كان ضعيفا أمام الطبيعة والموت، فلم يجد أمامه، سوى الحرب، بعد النار، ليشعلها هوجاء على أشباهه، يستقوي بها القوي على الضعيف، ويحرق بها ما لم تصله نار الطبيعة. فقط، ليثبت لنفسه أنه قادر على محو أمثاله، وسحق الطبيعة، والتاريخ، ليصنع تاريخ جرائمه الخاصة، وأنه مثل الموت، هو أيضا يتقن لعبة النار و المحو التي فضحت عجزه و جعلته يطرح الأسئلة. فكانت الحرب لعبته الأولى والأخيرة، لينهزم الحب وتنتصر الكراهية.