loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

( شـــروق في الغســــق )

breakLine

 

 


جميل ابراهيم صالح || قاص عراقي


اقفل الباب بهدوء فأصدرت مفاصلة الصدئة صريرا اخترق خاصرة الليل، توقف في مكانة لبرهة والتفت جهة داره ،ران صمت حذر على الحي القديم فبدت نخلة الدار السامقة أطول مما علية في العتمة سار عند حافة الرصيف الإسمنتي الذي تتوسطه قناة صرف المجاري، تتساوق خطواته الحذرة مع طشطشات ماء آسن وبقايا مياه تجمعت بعد ليال مكللة بالمطر، يسير تطرق قدماه الشوارع الملتوية ، يتحسس بخار زفيرة دافئا رطبا ،رفع بصره نحو سماء تكدر وجها بسدم داكنة تناثرت على جهة القمر الشاحب، ليصدر نور فضيا شحيحا تتسربل به البيوت والطرقات التي أفتضت بكارة شوارعها بسرفات الدبابات والمدرعات ،  فأكثر من ليل وظلمة تجثمان على صدر البلدة يسمع صوت طائرة معادية يأتي طنينها من بعيد يتداخل مع مواء القطط وأزيز الحشرات وهمهمات مكتومة تأتي من النوافذ المجاورة، حث خطاه وسط الظلمة واجتاز مزبلة ملأتها أكداس القمامة فازكم عطن وعفونة المكان انفه وكاد يهرس بقدمه قطة نافقه ، البرد يكبل بأصفاد ثلجية أوردة قدميه ضمّ كفيه إلى صدره واستشعر الدفئ النزر الذي يند من جسده الضئيل ، توقف مكانة وجاس ببصره المكان  ،  شعر بالوحدة تداهمه وانثالت تهويمات ورؤى تدك رأسه ، في المكان المحدد التقى بصديق كان بانتظاره عند المنحدر المؤدي إلى    (قبر الحاج مهنى )  فيدخلا سوق اليهود ,فالشارع تفترشه ظلمة  تخترقها  بقع ضوء  على شكل مربعات  ترسلها فتحات قباب سوق اليهود ، هكذا عدا خطواتهما وهما يلحظان بقع الضوء الفاضحة تزين ظلمة السوق ، سمعا صوت بكاء طفل يأتي من نافدة مجاورة لبناية (البزارة) التفت احدهما شمالا حيث يتوسط منحدر (البزارة)  الطريق إلى دارة القريبة ، فكر إن امة ستفتقد  مكانه لتطمئن انه متلفع بفراشه خشيه  البرد القارص هز رأسه ونظر إلى صديقه :
- هل سيكتشفون ما نقوم به ؟
- لا عليك ليست هذه المرة الأولى ولنكن حريصين هذه المرة.... .
- هل القارب جاهز؟
- اجل كل شي في مكانه....
  عبرا الطريق باتجاه سوق القصابين ليجتازاه إلى مقبرة البلدة، بحذر واضح  لكز صاحبه ومضيا ينتقلان بين القبور والشواهد ، خطوات مكبلة بخوف طفولي تتحرك بين ظلال الشواهد، أشباح مخاوف تتسرب إلى مخيلتهم فالليل في المقابر ليس كسائر الأماكن، الريح تضرب الأشياء المتناثرة على أرضيه  المكان فتتدحرج كائنات ليلية بوهيمية تزيد من رهبة وحفيظة الأجساد الصغيرة ، الطريق  المؤدي إلى مخرج المقبرة بدا طويل أمامهم فحثوا الخطى واستترا بظل بنايه المدرسة المجاورة فالقمر الفضي يحيل ظل الأشياء إلى ملاذ مؤقت تهفو إليه خطواتهم الطويلة ،وصلوا إلى الدرب المفضي إلى النهر وساروا بمحاذاة أطلال المدينة الاثريه المهجورة ،تذكروا هناك ملاهي طفولتهم ونزقهم يوم كانت متنفسهم الوحيد من المدرسة والعمل وقوانين الأهل الصارمة ،
نسائم النهر الباردة أنعشت صدريهما فقد حملت معها عبق الصفصاف والقصب الذي يمشط وجه الريح فيحيل حفيفها إلى صفير متقطع يجتاح عتمة الليل، احدهم خاض الماء صوب غابة القصب التي تطوق النهر وجر قدميه داخل الماء البارد بمشقة باتجاه كومة قصب مموهة ليخرج منها قاربا معدنيا صغيرا يكفي بالكاد لشخص واحد ، بدا غارقا لنصفه بالماء، ركبا فيه وتناوبا على قيادته اخذ بالترنح وهما يقودانه ناحية (قصر العاشق)**    حيث بدا لهما هيكله مهيباً يجثم عند أطراف النهر ، القارب ينزلق على سطح الماء تاركا خطا متلاشيا إلى البلدة احدهم يجرف النهر بيديه ليندفع القارب ببطئ  ، والأخر يتناوب كل حين لإخراج الماء الذي ينسل إلى قعر القارب ، كائنات مائية تتقافز حولهم مرة وأخرى تهرب إلى الأعماق وأخرى تبدو متربصة بهم تتبعهم بشيطانية واضحة ، حيث أبصروا أزواجا من العيون المضيئة تنبعث من بين قامات القصب السامق ،
عند الضفة الأخرى كان القصر يكبر في أعينهما شيئا فشيئا كلما اقتربا من حافة النهر, حيث ترجلا واختارا دربا طينيا يؤدي إلى الطريق السريع ,نظرا تجاه البلدة بأعين أدمعها برد الريح ,حيث أبصراها وهي تغفو عند عنق النهر بأمان ،عند حافة الطريق السريع تناوبا على الحفر ومراقبة المكان فليل الشتاء طويل والقمر يرسل نورة الخافت فيحيل ظل الأشياء إلى هوام تتسربل في الحلكة ، يسمعان صوت دوي انفجار يأتي من بعيد ، يتسمران لبرهة ثم ما يلبثان أن ينبشا الأرض الرخوة بقضيب حديدي ويدين غضتين تستمران بالحفر وبهمة , من مكان قريب حمل احدهم أنبوبا نحاسيا كرصاصة كبيرة ،كان باردا ومملوءا بالبارود وشظايا الحديد ومسامير معقوفة، يحمله بدعة ويضعه في الحفرة بحذر وهو يتحسس مكانة بدقة أهالا التراب عليه وسويا الأرض جيدا لينساب من الحفرة سلك معدني دقيق غير مرئي لكنه يصدر أنينا كلما شده احدهم ليعود فيرتطم بالأرض الرطبة فيخبو ذلك الأنين ،
عند بيت متداع ِ مهجور تسكنه الخفافيش والعناكب ، فاجأهما قطيع من الكلاب التي ترهلت كروشها ، ظلت تنبح وتنبح حتى ازبدت فكوكها المسننة ، لكنهما تجمدا في مكانهما كصنمين غير آبهين بما يحدث ، حيث لاذت الكلاب في الدروب الموحلة واحدا اثر آخر ....
من بعيد عاينا الطريق الإسفلتي أمامهم فبدت طلائع الأضواء الكاشفة لرتل المدرعات المعادية باتجاه الطريق السريع ، تمتما بكلمات تنم عن فرح طاغ ، بعد دقائق التقت أعينهم وابتسما ، احدهم دعك عينيه ليزيح عنهما آخر رغبة بالنوم عنده ، الآخر ظمّ قبضة يده بسرعة فأجتاح الطريق ضوء ناري عظيم ملأ بريقه السماء وشعرا بالأرض تزلزل من تحتهم ودوى انفجار عنيف تناسل دويه في الفضاء ، وتناثرت الأشلاء المعدنية اللاهبة في السماء ، وارتبك الرتل فأخذت بنادقهم تصب نيرانها بعشوائية وفي كل اتجاه لفترة حتى ساد الأفق صمت تشوبه حركة دب فحيحها يخيم على الريف المترامي ، تموضعا لفترة في مكانهما حيث ظل قصر  العاشق ينسدل عليهم ، في الوقت الذي تكدر به وجه القمر وهبت ريح صفقت وجهيهما ، ربضا هناك حتى قارب طلوع الفجر ، في الوقت الذي هما فيه بالعودة سمعا أصوات وقع أقدام يعلو دبيبها تدريجيا ، وثمة ظلال سوداء تتماوج بين التلال الترابية تقتل في داخلهم أي نية لهم بالعودة .