loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صحبة كفافيس

breakLine

 

 

غسان زقطان || شاعر فلسطيني


في "مساكن برزة" في دمشق ألقيت كتاب "وداعاً للاسكندرية التي تفقدها" من نافذة الطابق الثاني في الثالثة صباحا، أصغيت لحفيف أوراق الكتاب وهو يطير في الهواء الساكن ثم ارتطامه بياسمينة الجيران قبل أن يسقط على الرصيف تحت ضوء الشارع.
كنت قد قرأت تلك القصائد لـ "قسطنطين كفافيس" (بترجمة سعدي يوسف) عشرات المرات، وكنت أحلم بها، وأبصر الشعراء في صيدا، واطراقة "أنطونيو" وهو يصغي لانتصار أعدائه الذي يصل إليه عبر النافذة، و"قيصرون" على عربة موكب "كيليوبترا"، كنت أبصر احتفال القضاة والشعراء والممثلين بقدوم البرابرة، وأحدق في دهشة المرآة حيث عبرها جمال فتى، صبي خياط، احتفظت به لدقائق قليلة كانت كافية لصناعة الزهو...
كنت كلما كتبت شيئاً أجد ظلال تلك القصائد في المتن، وأبصر وجوه أولئك الناس الذين صبّرهم في زجاجة وحملها مثل ضوء بارد مغرق بالحنين والندم.
في الساعة الثالثة من فجر ذلك الصيف كنت في منتصف العشرينيات، وكنت خائفاً من فوات الوقت ونفاذ الشعر، حملت "كفافيس" وألقيته من النافذة، في الجانب المقابل من الشارع كانت عائلة مسيحية من أم يونانية وأب من حماة، وكانت ابنتهم الصغرى تراقب المشهد.
بدا الأمر وكأن "كفافيس" نفسه قد جاء بتلك الفتاة السورية من أم يونانية لتكون شاهدة على خوفي منه ومن العصر الهلليني الذي صبّره في الزجاجة.
سأنزل السلم لأستعيد الكتاب وسأجده بين يدي الفتاة التي سبقتني وقد تبلل من الندى، من المستحيل الحصول على لحظة بتلك القوة لو لم يتدخل "كفافي" نفسه ويدفعها بيديه لتحدث.
سأكتب بعد ثلاثين سنة نصا عن الفتاة في دمشق، وسيبدو ذلك نوعا من التلويح لتلك الصبيحة المبكرة، ونوعا من مصافحة كفافي.
تذكرت كل هذا وتركته كاعتراف ممتن وأنا اتذكر قصيدته "كان عليهم أن ينتبهوا" التي يتحدث فيها عن شاب يعيش في "انطاكية" على الساحل السوري في العصر "الهلليني"، الشاب الذي وصل إلى حافة التشرد والجوع بعد أن أنهكته "انطاكية" وبددت كل ما يملك باستثناء لغته اليونانية وثقافته ومعرفته وخبرته الجيدة ببعض الأمور العسكرية وأمور الإدارة، كان يرى نفسه، الشاب، لا يزال قادراً ومؤهلاً لخدمة "بلاده العزيزة سورية"، إن أحلامه تنصب الآن على خدمتها عبر أي موقع قد يمنح له رغم أن أولئك الذين يحتلون قمة الهرم في السلطة يواصلون عرقلة أهدافه ورغباته:
".. سأتقدم بطلب إلى "زابيناس"، أولاً
وإن لم يقدّرني
سأذهب إلى منافسه "غريبوس"
فإن لم يستخدمني
سأذهب مباشرة إلى "هيركافوس"
سوف يستخدمني أحد الثلاثة، على أي حال.
كما أن ضميري مرتاح
إزاء عدم اكتراثي بما اخترت
فالثلاثة، جميعاً، ألحقوا الضرر بسورية بالمقدار نفسه
.....
كان على الآلهة القديرة أن تنتبه
وأن تخلق رجلاً رابعاً، رجلاً شريفاً،
لكنت ذهبت إليه، وبسرور."
أو وأنا أستعيد ما كتبته يوما عنه بامتنان شاعر من جنوب سوريا/ فلسطين:
"دائماً كنت أجد شيئاً من "كفافيس" مناسباً في اللحظات الصعبة من حياتنا! لعل الأمر هو استعارته الاستثنائية للعصر الهلليني بتداخلاته وعدم يقينيته ودسائسه وجدله وتردده بين تقشف المسيحية الناهضة واقصائية الكنيسة وبذخ الوثنية الاغريقية في هزيعها الأخير، كانت قصيدته "ايثاكا" بثقل حكمتها ونبرتها المباشرة تتردد في رأسي أثناء رحلة العودة إلى فلسطين عبر العريش فرفح فساحة "السرايا" في غزة في الخامسة صباحاً من أحد أيام تموز 1994.
وخلال سنوات حصار الراحل "ياسر عرفات" ورفاقه في المقاطعة وبينما كنا نعبر كل صباح من أمام سجنه وضريحه المؤجل بعادية مثيرة للدهشة كان الرجل في الداخل يقتسم ضوء الشمعة والهواء والخبز مع رفاقه كما يليق بقائد حقيقي، في حين كان معظم المتحاورين هذه الأيام والناطقين والمتحدثين باسم الشعب يتقافزون في الشوارع والمكاتب والمطارات ويعودون إلى بيوتهم ليتابعوا قصة الموت المعلن تلك.
في تلك الفترة كتبت عن "الاله يخذل انطونيو" قصيدة كفافيس الغريبة والمبنية على بطولة الخسارة وعظمة الخاسر.
وفي الكوميديا السوداء التي نعيشها هذه الأيام، حيث لا جدوى من الوصف أو الرثاء أو الاقتراح لم أجد سوى "كان عليهم أن ينتبهوا" رغم قدريتها المبالغ فيها ورغم الحكمة الانتهازية التي تحكم بطلها!
أما عندما أفكر، مثل غيري، بالانهيار الذي يعتري المشروع العربي والفلسطيني ووجوده والعبث الذي يسيّر كل مناحي الحياة في السياسة والاقتصاد والثقافة والضجر العظيم الذي يكتنف أحلامنا القديمة حيث الانهيار نفسه يتحول إلى ما يشبه رغبة جماعية وغاية مأمولة سأتذكر، دون شك، "بانتظار البرابرة".
وسأفكر أنهم وصلوا فعلاً.