loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صخب الأسئلة

breakLine

زينب الاسدي/ كاتبة عراقية 

 

لأوّل مرّة في حياتي كنتُ أسمع دقّات قلبي واضحة بهذه الرتابة، تتراكض نبضاتها وكأنّها تهرب من التوقّعات، خلتُها ستقفز مبتعدة عن جوفي، تاركة إيّاي أواجه قدري، وحيدة عزلاء أمام رجل بدا لي في أوّل وهلة هادئًا غير آبه ولكن سرعان ما كشفت حركة رجله الاهتزازيّة عكس ذلك، قال بلهجة دافئة تموج فيها الحرج:
-   هل سوف تأتين في الموعد؟ نتكلّم فقط والرأي لكِ!      
شعرتُ كأنّني أجول شوارع مدينة كثر فيها الغرباء، مرّت السنون الأربعون التي تعلّقت بتلابيب الخواطر كومضة سريعة، خطفتُ نظرة في وجهه، هل كانت عيناه بنيّة تشبه عيون القطط البريّة كلّ هذا الوقت؟! عجبًا لم أنتبه لذلك!! كطلقة نافذة انتزعت تلك النظرة من فمي، كلمات نازَعَت المكابرة والعناد المتجذّر في دماغي، لتُشعل فيه البصيص الذي نجا من وابل طلقات اليأس، أجبتُه بتلعثم:
-   حسنًا لا بأس! ولكن لا تراهن على النتائج كثيرًا.
فاضت من بين شفتيه ابتسامة عكست في وجهه شيطنة لطيفة، أغلق باب المكتب خلفه؛ فأصدر صوتًا أعاد أنفاسي الحبيسة خلف قضبان الارتباك.
لا أعرف لماذا كنتُ ممتعضة، ربما لأنّني تعوّدتُ رفض المواعيد واللقاءات، وكلّ الحركات التي توحي ببداية ارتباطات طويلة. فجأة رنّ جرس الهاتف فانتفضتُ واقفة كجنديّ في معسكر، سرت قشعريرة في كلّ أوصالي عندما قرأتُ مكالمة واردة من سامر، كان رجلًا قد خطّ نهايات الأربعين من عمره، كثيف الشعر تغلب على محيّاه ملامح الطيبة، مربوع القامة هادئًا في أغلب الأحيان، عدا تلك التي يتحدّث فيها مع رفاقه عن مستجدّات الأمور السياسيّة، أجبتُه:
 - نعم تفضّل!
 -  آسف على الإزعاج! نسيتُ إعطاءكِ العنوان سأرسله على الجوّال، سوف أنتظركِ في المنزل.
للحظة أيقنتُ أنّني هويتُ في فراغ، أخطأتُ في قبول عرضه، ها هي نواياه تتكشّف رويدًا رويدًا، أجبتُه بدون تريّث:
إنّكَ مخطئ يا أستاذ سامر، لا أستطيع المجيء، أعتذر جدًّا، والآن لديّ عمل متراكم لا بدّ لي من الذهاب وداعًا. 
أقفلتُ الخطّ! انحدرت دموعي بدون استئذان تشقّ طريقها نحو الفناء، رنّ الهاتف مرّة أخرى، وأخذ يهتزّ على طاولة المكتب مصدرًا صوتًا كأزيز النحل، جاء صوته راجيًا متوسّلًا: 
أرجوكِ لا تقفلي! استمعي إليّ، لستُ وحيدًا في المنزل، معي والدتي، ثمّ إنّكِ تستطيعين الحضور مع مَن شئتِ، أردت فقط أن تتعرّفي على أسرتي من قريب. 
هدّأ كلامُه من روعي، على الأقلّ أنّه لم يفكّر تجاهي بسوء:
حسنًا سوف آتي مع الوالدة.
ارتديتُ فستانًا طويلًا، أخضر، غامقًا بلون الطحالب، متدلّيًا من أعلى الكتف حتّى الساق، زيّنه في المنتصف حزام يلتفّ حول الخصر بانسياب رشيق، كما أخبرتُ والدتي بأنّه تعارف فقط، بما أنّها لم تتوقّف للحظة عن طرح الأسئلة:
لماذا لم يتقدّم هو مثلما يفعل الناس؟! إنّي لم أر فتاة تذهب  للقاء خطيبها، لا بدّ من أنّكِ جُننتِ؟!
سقطت منها قطع الملابس التي كانت منشغلة بنشرها، التقطتُها وبدأتُ بمساعدتها، وأنا أتقدّم نحوها: 
أريد أن أرى الناس الذين سيحيطون بي كيف يعيشون؟! ماذا يلبسون؟! كيف يأكلون ويتصرّفون؟! أريد أن أتعرّف على البيئة التي سأقطنها.
لا أخفي أنّني كنتُ أرتاح لذلك الشعور الذي يغمرني بالارتباك عند ذكر اسمه وينقلني إلى عوالم خفيّة أغوص غارقة في أغوارها. ضغطتُ زرّ التشغيل في السيّارة وتوجّهت إلى العنوان الذي كان قد أرسله إليّ،  تجاوزنا الباب الخارجيّة؛ كان المنزل فسيحًا يتوسّط حديقة غنّاء، زادتها نتف الثلج البيضاء حلاوة وبهجة، يحدوها من أحد الجوانب حوض للسباحة تقابله مصطبات ومقاعد وُضعت للاستراحة والاستجمام، استباحها الشتاء بجرأة فاحشة. طرقنا الباب، ففتحت لنا فتاة لا يتجاوز عمرُها الخمس سنوات شقراء، لوزيّة العينين، تناثر شعرها مسترسلًا قد غطّى رقبتها متدلّيًا نحو الأسفل، نظرت إليّ بتمعّن ثمّ قالت:
قال والدي إنّنا ننتظر ضيفًا مهمًّا هل أنتِ ذلك الضيف؟
نكزتني والدتي قائلةً بنصف شفة مفتوحة: 
لديه فتاة صغيرة انتبهي جيّدًا لما تريدين فعله!
جلستُ لمستوى الفتاة وخاطبتها:
أظنّ ذلك يا عزيزتي أنا اسمي وداد ما اسمكِ؟   
ردّت بحلاوة: 
غيداء! 
حسنًا غيداء هل تخبرين والدكِ بقدومنا؟  تناهى من الداخل صوت امرأة نادت متسائلةً:
-  غيداء مَن الطارق؟
إنّهم الضيوف يا جدّتي!
جاء سامر لاستقبالنا، كان أنيقًا، جميلًا، قد ارتدى بدلة كحليّة بقميص أبيض مائلٍ للزّرقة، وربطة عنق حريريّة، اختلط عطره بأنامل البرد التي أخذت تتلاعب  بالمشاعر بدون استئذان، ما إن دخلنا الصالة حتّى رأيتُ وجه أمّي قد تغيّر وتماوج فيه طيف من الألوان المتقلّبة، بعدما شاهَدَت المنظر المفاجئ، أظهَرَت منديلًا من ورق المحارم وأخَذَت تمسح به العرق النازّ من جبينها.
فتاتان تتراوح أعمارهنّ بين العاشرة والثانية عشرة مع صبيّ  قد اصطفّوا لاستقبالنا، تراكَضَت بعد ذلك غيداء لتصطفّ آخر المطاف!!
شعرتُ بسيل من الأحاسيس المتضاربة تنتقل في كلّ عصب من رأسي وأنا أحاول جاهدة معرفة السبب الذي جعلني أظنّ أنّ سامر لم يكن يملك أولادًا!!
كانوا في غاية الأدب والاحترام، في ملامحهم قاسم مشترك من الحزن الضارب في أعماقهم، هناك في نقطة القاع البعيدة جدًا، أمّا والدة سامر فقد كانت امرأة في الستّين من العمر، سمراء البشرة، ترك الزمان في سحنتها بصمة واضحة أخفتها بشاشة الترحيب.
بينما كانت أمّي غارقة في سكون مطبق، كنتُ أخاطبُ نفسي طوال الوقت: هل عليّ أن أربّي أربعة أولاد لشخص لا أعرفه سوى معرفة سطحيّة؟! ثمّ على فرض أنّي قبلتُ، ألا أستحقّ أن أحظى بأولاد لي؟! على سبيل المثال لو أنجبتُ ثلاثة إخوة لهؤلاء الأربعة سوف يصبحون سبعة!! في هذه الأثناء ركضت غيداء وجاءتني بدفتر كتبت فيه دادا دور دادا نام  وهي تقول:
آنسة وداد! آنسة وداد! هل ستوقّعين لي ملاحظات الستّ رؤى كلّ ليلة؟
انشغل سامر بمكالمة هاتفيّة استأذن قبلها للخروج؛ فاستغلّت والدته الفرصة وقالت:
-  كانت أمينة أمًّا أمينة بحقّ، أجادت في تربية أولادها، حتّى في مرضها لم تتوان عن مسؤوليّاتها، كان سامر يهيم في حبّها حتى خشيتُ عليه الانهيار بعد فقدها، على الأرجح أنّه قاوم من أجل الأولاد، يتامى زوجته الحنون التي قضى معها أحلى الأوقات وأبى أن يفكّر بواحدة سواها، لولا إصراري وتهديدي بأنّني لن أرضى عنه إذا لم يُقدم على الزواج، الأولاد يحتاجون إلى أمّ ترعاهم حتى لو فقدوا الأولى التي أنجبتهم؛ رضي بعد لأيٍ بشرط،  قطعت كلامها غيداء: 
آنسة وداد!  انظري أنا أعرف كتابة اسمكِ فقد أخذنا كلَّ حروفه و  د   ا   د. 
تفتّحت الابتسامة في ثغرها كجنبذة صغيرة، احتضنتُها وقبّلتُ وجنتيها الحمراوين فتشابكت أحاسيسي بحلاوتها مكوّنة عقدة لا يمكن حلّها، كانت أختها نجلاء تنظر إلينا بطرف عينيها، قطّبت جبينها، وقد طغت في ملامحها علامات البرود. استأنفت أم سامر متنهّدة:
قال إنّ هناك زميلة لي في العمل، إن قبلت الاقتراح فبها، وإلّا فلن أتزوّج أبدًا؛ لا آتمن على أولادي أحدًا غيرها! 
ساد الصمت للحظات، وأنا أتأمّل الصغيرة تلاعب دمية وتصفّف شعرها كأمّ حنون، ما هي إلّا لحظات حتّى انقشعت غيوم الصمت وجال في الأرجاء صوت طفل يبكي! ثمّ دخلت العاملة تحمل في يدها طفلًا لا يتجاوز السنتين!! جحظت عينا أمي وأصابني البهت كصفعة مفاجئة، يا إلهي إنّه طفل رضيع! طوال خمسة أعوام كنت أشعر بالاعتزاز أنّني تكفّلت عشرة أيتام في إحدى المؤسّسات الناشطة في هذا المجال، أدفع رواتبهم الشهريّة كلّما استلمت وجبة من عملي كمحامية في المحكمة، وعميلة لبعض الشركات المعروفة في المجتمع. ولكنّني لم أتصوّر يومًا أنّني أتكفّل تربية واحد منهم، كان صبيًّا أبيض اللون يميل نحو السمنة، بشعر مجعّد أشقر، وعينين زرقاوين كعيني جدّته، كانت يداي باردتين، أخَذَت حبّات من العرق تتقاطر سالكة طريقًا مستقيمًا من رقبتي حتّى أسفل ظهري، شيّعنا سامر إلى الباب، كان الليل هادئًا كالمحيط، سطحه ساكن لكنّ أعماقَه تهدر بالحركة، لاحظتُ في عينيه عالمًا ضاجًّا بالجدل والتحليلات، سبقتني أمّي إلى السيّارة، حدّق في وجهي بجدّ أكبر وهو يقول: 
فكّري يا وداد جيّدًا، ثمّ انتبهي، لا يكون الوضع هادئًا دومًا مثل ما رأيتِه الآن! 
نطق بهذه الكلمات وقد غصّ حلقُه، واختلج صوتُه وكأنّه صعد فجأة سطوح المنطق، رفعتُ رأسي ونظرت في عينيه مباشرة بجرأة باغتتني لثوانٍ معدودة، وهممتُ بالرحيل ثم تذكّرتُ شيئًا نسيتُه في الداخل، ناديتُ:
غيداء! غيداء! اعطني دفتركِ نسيتُ أن أوقّعه!
فتراكضت نحوي الفتاة مهرولة تاركةً لعبتها، تحمل قلمًا بيد ودفترًا بيدها الأخرى.