loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صوته

breakLine

 

 

عالية طالب || قاصة عراقيَّة 
 
 
مسحت اشعة الشمس رؤوس الواقفين بحرارة خفيفة لن تلبث حتى تصاعدت واشجار النخيل التي  تبدو بعيدة عن الساحة بدأت تتمطى  لتنفض عن سعفها الكسل المسترخي لنوم الليل الذي تلاشى تماما.
تفحصت المرأة الساحة بنظرة متلفتة  فبدت لها مثل بقعة بلا حدود ، شملها الاستغراب أكان هؤلاء موجودين منذ وصلت ؟ ام انهم تقاطروا  تباعا؟ زادها الحشد سخطا، كيف تستوعب الحافلات كل هؤلاء؟ قبل ساعتين كان الظلام لا يشي بوجود هذا العدد ، تقاطروا مع الضوء وكأنهم خرجوا من اقبية غير مرئية ، لم تهدأ الحافلات بدخول وخروج متزامنة بأصوات الابواق المدوية .. صخب زاد حدة توترها ولم تعد تدري كيف تجد مكانا يحتويها، انسحبت يتبعها ظل صغيرها الذي بدا ضجرا هو الاخر، ابدل امساك يدها اليمنى بالأخرى التي جف عرقها ، يبدو ان ليس هناك حافلة ستأتي، لماذا لا تعود وترجئ زيارتها ليوم أخر.
سقطت نظراتها على الصغير فيما ارتفع لحن حزين وراءها بصوت عجوز ارهقه التدخين، كم بها من رغبة لتدخين سيجارة .. ستعود ، لم يبق لديها وقت كاف ،  متى تصل ومتى تعود ، ستكون مضطرة للمبيت واين تقضي ليلتها ، فتحت حقيبتها والقت نظرة اخرى على القصاصة الصغيرة التي تحمل عنوانا تأكدت من وجوده معها عشرات المرات .. اقارب بعيدون لكنها لا تحتمل ان تكون عبئا ثقيلا على احد حتى ولو كان الأمر لساعات تنهي بها ما تروم الذهاب بصدده.
نظرة اخرى على وجه الصغير المبلل بقطرات ساخنة، شعرت برغبة حادة في احتضانه، لكنها احجمت، سيفهم  حيرتها وقلقها ان فعلت لماذا لا تجد حديثا يمزق هذا الانتظار ويوقف حزنها الذي تواتر من صوت العجوز وراءها 
حديث طويل بجمل مبتورة عن الحافلات المتأخرة التي لا بد لها ان تأتي اخيرا والحقائب التي تنبئ بعدد ايام الاقامة والتي قد تفقد والاشياء التي تتكسر والملابس التي تتبقع برائحة العرق، يصغي بلا اهتمام يمضغ حروفها المتناثرة ليعيد ترتيبها داخل رأسه الصغير ، لم يقاطعها وهو يعرف انها تحاول الهاءه عن انتظار مزعج .
ابتلعت صوتها تماما حين ضج صوت صاخب داخل الساحة، بغداد .. بغداد ، تدحرجت خطواتها والظل الصغير يتبعها ليتلاشى امام الباب المفتوح، تسلقت الدرجات وبعد ان شملت الحافلة بنظرة سريعة، تحركت  الى الخلف حيث سبقتها نسوة ثلاث، انزوت معهن فيما اشرق راس الصغير فرحا من النافذة المشرعة، تحصي المقاعد الشاغرة وعقارب الساعة تتحداها بدوران عجول لم يتوقف حديث النسوة الثلاث دون ان تفهم خيوطا واضحة لما يدور حولها وبدأت الرؤوس المرهقة تتراخى تباعا بحثا عن نسمة باردة قد تأتي مع دوران العجلة ، مسح السائق الجالسين بنظرة متفحصة وحين تأكد من امتلاء المقاعد دلف الى مقعده خلف المقود وانفتحت شهية النسوة قربه لحديث اكثر حماسة .
تبدو الحافلة  مجتمع صغير تواجد بلا سابق ترتيب ، مزيج من عمال  وشباب يحملون حقائب مبقعة بالغبار ورجال اوهنهم تعب لا يستطيعون امساكه جيدا بذاكرتهم  بوجوه شاردة النظرات وكأنها تحصي عدد المرات التي غادروا فيها امكنتهم التي يغادرونها دون ارادتهم، ورجل يبدو عليه انه تاجر صغير يستقصي وضع اعماله المتأكلة بأيد لا يثق بها جيدا، وامرأة جمعت بقايا " حناء" لديها تفوح رائحتها مع كل نسمة تقترب من نافذتها، ولحن حزين لحنجرة متعبة يتصاعد كل حين شاكيا وحدة شيخوخة دون أنيس ، وهي وصغيرها ورحلة سؤال ينام في صدرها منذ اشهر عل الجواب يسكت تساؤلا يحفر رأسها باحتمالات مزعجة.
تشعر بحاجتها لاسترخاء سريع  والنسمة الباردة التي طوقت وجهها المبلل ايقظت هدوءًا تفتقده.
اغمضت عينيها فيما نظرات الصغير  تبتلع الشارع بانتباه شديد من البصرة الى بغداد، ومن أذنيها الى شفة ما.
عليها ان تبقى تستمع الى آلاف النصائح، ومطالب قدرة الاحتمال، وأمثلة تعرف اغلبها من كثرة ما سمعتها، وارشادات غير مجربة لمعانٍ يفتقدها من يطلقها ، ومديح يحرجها ويجرح احساسها بأطناب تكرهه.. لماذا عليها تقسيم اقامتها ، وكل يقرر رغبته في الاستئثار بوجودها دون سؤالها عن رغبتها.. يقينا انهم يحاولون افهامها حبهم لكن بطريقة تؤذيها ، أتراهم لا يفهمون كيف يعبرون عن مشاعرهم أم أنها عنيدة بحساسيتها كما يقول ابوها ؟
عليها ان تفكر بطريقة تلغي كل هذه التفاصيل، أجل، بعد هذه الرحلة يتفهم كل ما تؤجل من محاولة الاستيعاب، ستصل الى فكرة واضحة تبني عليها اساس الايام القادمة ، وهذا ما تصر عليه تماما، رغم انهم حاولوا افهامها نتائج قاموا بتحليلها بالنيابة عنها.
أكانت في غفلة عما حولها واكتشفت حياتها عن طريق الصدفة، اين هي؟ على اية بقعة تقف ؟ وكيف تحدد ما عليها فعله ؟ أهي هامش يعيش على تحليلات الاخرين ، ظل منسحب وراء قرارات لا تقنعها، لا ، عليها ان تغير كل هذا وبسرعة قبل ان تدمن ذلك ، أمر خطير هو ، متى وجد لديها؟ وكيف تسلل دون ان تشعر ، اين قوتها إذن؟ وعنادها الذي يصفونها به دون ان تزاوله حقا كما كانت تفعل حين كان موجودا!! من المؤكد انه اخذ اشياء ضخمة معه، لكن هل هي تضحيات عليها تقديمها أم هي تنازلات مغلفة بتسمية مغرية .
قطع عليها الصغير افكارها وهو يشير ضاحكا الى مركبة تحاذيهم دون زجاجة خلفية، كان شعر المرأة في المقعد الخلفي يتطاير وراء السيارة وكأنه طير ذبيح ، ضحك الصغير طويلا وشعرت بغصة مؤلمة وهي تتابع حركة رأس المرأة امامها والريح تطوحبه يمينا وشمالا، آهة طويلة خرجت من صدرها جعلت الصغير يتأملها متسائلا دون ان يفهم سببا لعدم مشاركته ضحكه الصاخب، فعاد الى هدوئه منسحبا وراء الصور التي تتوالى، تاركا اياها تغوص داخل تأوهات لا تنتهي.
منذ متى كانت لها زيارة مشابهة لهذه؟ ست سنوات ، سبع ، جلس حينها في ذات المكان الذي يشغله الصغير الان وفرحة مغايرة لانبهار ابنها تغازل قسماته، كانا عروسين، وبين البصرة وبغداد يتبادل العرسان المواقع، بوسعها الان تذكر حتى الحروف التي قالها في الايام السبعة التي قضياها سوية ،مطرقة حادة حفرت الاحداث كما دقت بذات الطريقة الاصوات التي سمعتها  منذ غيابه الذي لا تعرف كيف تعالج التعامل معه.
من البصرة الى بغداد ..والعجلات تلتهم الاسفلت دون رحمة ، جائعة ابدا بانتظار المسافات  والحقائب المليئة بالعناوين والذكريات .
-تقيمين في بغداد؟
افزعها السؤال المباغت  من المرأة القريبة منها ، اجابت باقتضاب.
-كلا .
-اهلك هناك ؟
مدت ذراعها واحتضنت صغيرها  ووجهها نحو الطريق .
-لا .. هي زيارة خاصة .
ادارت المرأة رأسها باتجاه رفيقتها قبل ان تسمع نهاية الجملة ..
آه من الجمل المبتورة والكلمات  المبهمة ، لم تصدق ما قالوه لها، هي تعرفه جيدا، بل أكثر مما يفهم نفسه. قال لها انه سيذهب ليعيد لها أحلامها المسورة وراء منزلهما الصغير، لم يعد يحتمل نظراتها المنكفئة وراء رغبتها التي لا تعلنها، هكذا حدثها .. مستطردا بأنه سيزور بيت ابيها ايضا ليجمع لها ورد الجوري الذي ترك والدها قطافه كل صباح، وحين يحين الوقت سيذهبان معا لتشبع عينيها من الصور التي تفتقدها، كانت الابتسامة تأخذ مسارات مليئة بمعانٍ كثيرة وهي تتراقص فوق وجهها الذي يراقب شفتيه الواثقتين، قال لها الكثير سمعت بعضه وحفظت البعض الاخر جيدا، وتحمست لسماع المزيد لكنه توقف فجأة عن الاسترسال، عاجله الوقت والحقيبة تتأرجح فوق كتفه، ارجأ اكمال الحديث لحين يعود، وهاهي تنتظر ما لم يقله، وهو لا يخلف وعدا قطعه يوما.
جاءها صوت المرأة قربها مرحا:
-تصوري يا خالة، قد جلب لي هدية من هناك واصر على وضعها وسط الصالة، أتعرفين ما هي ؟ حفنة تراب  من ارض نشتاق رؤيتها تعيش بسلام وأمان ،ملأ البيت ضجيجا هو والاطفال وهو يشرح لهم ماذا تعني كل ذرة من حفنة التراب بين يديه، تحلقوا حوله كالمسحورين ، جعلهم لا يسمعون اي نداء اوجهه لهم، يقول انه حمل هذه الحفنة من التراب ووضعها في كيس صغير قرب قلبه كتعويذة حققت له السلامة اينما تنقل .
ويستمر صوت المرأة وهي تحدث خالتها التي تنصت بوجه مبتسم بالرضا :
صدقيني خالتي اصبحت احمل حفنة التراب كلما سافرت او انتقلت لمكان ، اشعر بانها تحقق لي طمأنينة عجيبة وكأنها وطن يحمي ابناءه .الا توافقينني يا خالة ؟
ترسل الخالة ايماءة موافقة وتقسم ان تراب الاوطان هو الامان حين تشرع الازمات بمحاولة النيل منا.
يسحبها حديث لم يتمه قبل الرحيل الى  اسئلة اخرى .. كيف لها ان تفهم معنى ان لا ينهي شيئا بدأه !!! قال لها حين يعود سيشرح لها كل التفاصيل، لكن الصوت البارد وراء الاسلاك يقول أنه ... لا .. لا كيف لها ان تستوعب ما قاله لها ، عليها ان تسمعه بلا اسلاك ، خمس ساعات ويتضح كل ما تريد ، تتأكد ، تفهم ، بل تحاول أن تصدق !!!
عاد اللحن العجوز ينخر مساماتها، حاول السائق مشاغلته برفع صوت مذياعه، الا انه يتسرب وتلتقطه مشاعرها ، ويشربه حزنها ، يصمت قليلا ويعود وكأنه قد تذكر فجأة شيئا منسيا ، حديثا عن الغربة ، عن الشفاه المذبوحة الكلمات ، عنها وعنه، وعن السرير الصغير الذي بقي شاغرا حين فقدت طفلها الثاني بعد انتظار سنوات ، يبدو انه قد اختار البقاء هناك قبل رحيلهم، أيكون قد فهم معنى الرحيل وهو ما زال داخل احشائها ؟ ماذا تقول؟ يبدو انها قد  تعبت من سهر الليل داخل الساحة أم هو هدير صوت الاسلاك الباردة التي اجتثت انتظار اتمام الحديث.
القى الطفل رأسه في حضنها ونام .. فأصاب المرأة قربها الخيبة وهي تحضر خبزا محشوا بشيء ما لتقدمه له فأرجأته لحين استيقاظه، وبدأ السائق يدندن بعضا من مقاطع لحن العجوز.
من المؤكد انها ستجد حافلة عند العودة.. أن هي الا ساعات ويعود الصغير لينام في سريره، الحت أمها على عدم اصطحابه لكنها ارادت ان يسمع كل ما يتعلق بأبيه، حتى لو لم يفهم التفاصيل تكفيها مشاركته المسؤولية، مادام الصوت قد اخبرها جزءا يسيرا فمن حق الصبي أن يسمع كل التفاصيل كما ستطلبها هي .
-أنت من البصرة؟
دون ان تلتفت للمرأة اجابت بوجه جامد :
-نعم .
اطلقت المرأة آهة حزينة ، وصمتت الاخرى قربها، فيما تفجر صوت العجوز بلحن يحدث مسافرا سيعود بالأفق بين كفيه هدية للأميرة المنتظرة،  أيكون رفيقه واثقا مما قاله، وهي من عليها أن تصدق، الصوتان يدويان داخل رأسها فيفزعان الحلم المتدثر وراء شفتيه .
قطع صوت المرأة الشابة افكارها وهي تقول بمرح:
-ماذا أقول لك يا خالة عنه ، لو عاشرته لأحببته كثيرا، قد وعدتنا بزيارة الا أنك تأتيني دائما حين يكون ملتحقا بالواجب، وقتي وصولك معه، احسبي الايام وعندها لن يكون لك عذر ، اليس كذلك ؟
اومأت المرأة برأسها ولم تجب ، يبدو أنها ارهقت سمعها كثيرا، آه يا خالتها لو تعرفين كم ان زوجي يسرق الانظار اينما تواجد، ليتك رأيته كما تمنت هي ان تعرفي زوجها، لكنه الان هناك وحين سيعود سيحمل لي شيئا اكبر من حفنة التراب.
سيحمل لي كل الاصوات التي تنصت لها الاسماع ، وكل النظرات التي تجول في اعين الصغار، سيحمل لي ارضي ولن اضعها في علبة زجاجية وسط الصالة كما فعل يا خالتها ، بل سأسقيها بدموع انتظاري وفرحي ، ماذا أقول يا خالتها ، ليتك رأيته فعلا .
وقفت الحافلة فجأة وترجل سائقها، فتحت الابواب وتدفقت الهمهمات ، تحركت الاجساد المتخشبة الى الخارج ، حيث انزوى مطعم صغير يبيع الراحة والاسترخاء مع وجبات الطعام ، وقت آخر عليها ان تحسبه ايضا، تحرك صغيرها فانتهزت المرأة بجانبها الفرصة لتقدم لها الطعام الذي اعدته قبل ساعتين، مرت ربع ساعة صعد السائق بعد ان تفحص المقاعد واستمر زعيق بوق سيارته يدعو المسافرين للعودة.
يا لها من مكالمة ، ويا له من شخص غريب!!  اتصل بها ليطمئنها أم ليمزقها ، احباط كامل اصابها وهو يقول بصوت مرتبك .. أنه قد لا يعود الان ، يقال انه فقد اثره ، واكد اخرون انه اصيب امامهم في اخر جولة اشتباك مع الظلاميين ، اصيب ولم يتوقف كان يزمجر بوحشية غريبة وينطلق وراءهم ، يتربصون بخطواته ، ربما استشهد حين وصلهم، اصابته كانت بليغة ولم يتم تحديد موقعه بوضوح ، لحق بهم متحديا وكأنه لا يبالي بأصوات رصاصهم ، المعركة حامية والاخبار تضاربت .
ماذا تفهم هي من كل هذا غير انه قد لا يعود الان .. اذن متى سيعود ؟؟؟
هل هو متأكد مما يقول ، كيف لها ان تصدق هذه الاشتباك الكلامي ، رأيناه مصابا وكان يلاحقهم بضراوة !!! لا .. لا  ساعات وينتهي هذا الحديث المتناقض في رأسها وعندها ستكف عن عنادها المستعجل قدومه ، وقد تتعلم انتظارا اخر لم يحن وقت تسميته الان في ذهنها.
حاولت وهي تمسك الصوت البارد الذي يحادثها ان تفهم اكثر الا ان صمتا رهيبا شل صوت الاخر وصوتها جزع مهتاج والسكون مستمر على الطرف البعيد .. أيكون فعلا قد .. ؟ لكن لماذا عليها ان تأتي بتسميات تكره سماعها ، بعد قليل ستفهم كل شيء ولن يستطيع الهرب من امامها وانهاء الحديث.
انتبهت الى صمت صوت لحن العجوز الحزين واضطراب الركاب في مقدمة الحافلة، ترك بعض منهم مقاعدهم والتفوا حول السائق فيما صوت المذياع يصل بطريقة غير مفهومة ،  لم تفهم ما الذي حصل حتى علا صراخ فرح غامر، هزج الرجال، رفع بعضهم يشاميغهم وطوحوا بها عاليا وسط الحافلة  صفق صغيرها  جذلا ، وأمسكت المرأة بجانبها كتفها بشدة وهي تصرخ .
-هل تسمعين لقد عادت مدننا وتم تحريرها.
المدن ، الامكنة، الذكريات، حفنات التراب المقدس، قارورة عطر المنازل، تعود عبر ارواح الرجال،، لكنه هناك ، لم يخبرني ، قال للحديث بقية يكملها حين يعود، وعليها انتظاره.
امسكت بذراع صغيرها وتحركت بصعوبة ، حتى اذا وصلت الى مقعد السائق ، علا صوتها بين الاصوات الصاخبة .
-ارجو ان تقف؟
-لماذا ؟
- أريد العودة.
- الى أين ؟
- هناك ، سيعود سريعا وعلي انتظاره.
ترجلت بهدوء ويدها تمسك الصغير، اجتازت الطريق مسرعة ووقفت بانتظار حافلة قادمة تقلها الى البصرة ثانية وانتظاره ليعودا سوية كما وعدها حين غادر.