loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

عقب سيجارة يضحك

breakLine

 

عامر حميو || قاص عراقي

 

لا شيء غير غبار الملفّات يترسّب مع رمادها وأنت منتش بدخان العمر الضائع. تمتد بك لحظات الاحتضار لتزيح وجوه الأحبة، الأصدقاء، شقاوة المراهقة وجرأتها، نشوة القبلة الأولى، الضياع الذي شعرت به بعد صدمة الحب الأول، تذبذب المشاعر بين مجتمع يعدك من جيل المراهقين و(أنا) تراك مركز من حولك، يغلفها شعور بالإحباط  أنكَ فائض.
  تسأل والفرحة في داخلك لاتسع شيخوختك:
-​عودتموني أن كل ورقة أستلمها منكم، هي اكمال لأوراق معاملة تعييني. الآن ماذا بعد؟.
  ترد مسؤولة قسم الموارد البشرية فيما عيناها لا يلتفتان ناحيتك:
-​لا شيء بعد.
  وقبل أن تستفسر عن طلسم جوابها تكمل قائلة، وما زالت عيناها لا ترنوان تجاهك:
-​ببساطة . لك أن تباشر عملك في دائرتك منذ الغد.
  فجأة تغرز في عينيك ذات العينان اللتان لا ترنوان لك سابقاً، وتختصر كل ما تريد أن تستفسر عنه قائلة:
-​مبارك لك الوظيفة.
في صباح اليوم التالي تطرق الباب الصدئ لدائرتك، ومن الخلف يتناهى لك صوت يقول:
-​لم يبدأ الدوام بعد...
يبدو لك الصوت ناعساً متثاقلاً، وذو نبرة نهر منزعجة كأنها موجهة لشخص غيرك :
-​يووووه.  صحيح إذا قالوا إن صاحب الحاجة أعمى إلّا من رؤية قضاء حاجته!... لكن ما دخلي أنا...أنا حارس.
تنزوي في ركن الجدار وتصادق التفاف قصاصات الورق، وأكياس النايلون وهي تدور مع عصف ريح شباط الباردة حولك. وبمرور الوقت الذي تناسيت انصرامه تستمر قصاصات الورق وأكياس النايلون في كنس ما تخلفه شفتاك من أعقاب السجائر الرخيصة بعيداً عنك.
بعد نصف ساعة يُبلغك موظف الاستعلامات:
-​كتاب مباشرتك أمام السيد المدير وهو يريد حضورك أمامه.
في غرفة السيد المدير تتهالك على أقرب كرسي عند الباب، لكن عيوناً في رؤوس تلتف حول السيد المدير، تخرج من محاجرها ولسان حالها كأنه يحذرك:
-​أنت في حضرة السيد المدير. انهض.
تتكئ على مسند الكرسي وتنهض متثاقلاً، وعينا السيد المدير تتفحصانك من قمة رأسك حتى أخمس قدميك، وثمة شفتين في رأسه يسألانك بشكل روتيني عن اسمك الكامل، لقب عشيرتك، تولّدك، تخصصك الدراسي، وشفتاك ترد بشكل روتيني أيضاً.
-​دلوه على قسم أرشيف الأضابير ليساعد الموظف هناك.
تغص بكلمة اعتراض عن الرابط بين تخصصك في الحسابات وعملك في قسم الأضابير، لكن أيد مساعدة للسيد المدير تشير لك أن ترافقها قبل أن تقول عبارتك.
تتكثّف مهزلة العمر عندك، وتتمدّد أذرع اخطبوطها عندما يترأسك جيل هو من عمر أولادك الكبار، أنت خانتك الظروف وغدرت بك، وهو سنحت له فرص الحياة وابتسمت له، هو داهن واستمر وأنت ركبت دماغك وتعثّرت. لا شيء جديد، هي متلازمة الحياة: غالب ومغلوب، فرصة وانقضاض مقابل تشدق ومعاندة، والنتيجة أن تكون مرمياً في نهاية العمر بين غبار الأضابير ونعم الايفاد تتمرّغ عند قدميه، لك أن تنجز بأمره تنظيف الأضابير من غبارها، وللفنادق الكبرى في عواصم العالم أن تتشرّف بمقدمه الكريم كل حين، وبعد كل سفرة إيفاد يبقى أسلوب العمل في قسم أرشيف الأضابير كما هو!. وقبيل كل سفرة إيفاد تكون التوصية جاهزة:
-​إذا ازدادت الأضابير في غيبتي ولم تسعها الرفوف، كوّمها عند الزوايا الفارغة.
تلك وصيته، وعقوبة التوبيخ عليها تنصب على خريف عمرك، ثم لِمَ أصلاً كل ذلك؟.
على كومة أضابير لا فائدة منها غير حفظها وتنظيف غبارها كل حين!.
كم انقضى من الوقت وأنت تنظّف بها دون أن يسألك أحد عن حاجته لواحدة منها...سنة...سنتان...ثلاث؟.
تتهرّأ أطرافها، وتصفرّ أوراقها كاصفرار عمرك ولا أحد يسأل عن الاثنين، فمن يعنيه الأمر لو أنك رميت عقب السيجارة ناحية كومة منها؟ ترى هل سيفتقدنا أحد لو تحوّلنا سوية إلى رماد متراكم على بعضه؟.  لا أعتقد ذلك.
وما دام باب قسم أرشيف الأضابير مقفل من الداخل، هذا هو عقب سيجارتي متوهّجاً بضحك جمرته، و...
  الله! 
لا شيء غير غبار الملفّات يترسّب مع رمادها وأنتَ منتش بدخان العمر الضائع .