loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

على أحرّ من الجمر

breakLine

 

 

 

 

 

هدى المقاطع || قاصة كويتية



هناك شخصٌ واقف يسند ظهره إلى نهاية القاطرة، أسود البشرة، يمسك بجريدة يقرأها بأريحية ظاهرة على ملامحه الخشنة، سواك محشور بين أسنانه يرتفع ويهبط على مهل. على بعد سنتيمترات قليلة تقف امرأة لها ملامح هندية، تتجول عيناي على وجوه كثيرة متعدّدة ومختلفة، ألوان مغايرة، أطوال وأحجام متفاوتة. الصمت والانشداه يوحّد الجميع في مقطورة واحدة، شقراء قصيرة ممسكة بيدها عارضة السقف الحديدية. وباليد الأخرى تخرج موبايلها من جيب معطفها، تحدّق بشاشته.
يتباطأ المترو.. أباعد ما بين قدميّ بينما اتشبّث قوياً بالقضيب المثبت على الجدار خلفي، قوة الجذب المخفيّة تُثير في ذاكرتي خاطرة تتعلق بقانون القوة الطاردة المركزيّة عند ركوب الأرجوحة الدوارة، فِي حصة العلوم أيام الحياة الدراسية، اكتشفنا سرّ اتّجاه أجسامنا إلى خارج مركز الأرجوحة بفضل العالم نيوتن. حينها تساءلتُ كيف لقوة الجذب أن تكون طاردة؟!.
يتوقّف المترو، ينفتح الباب الأوتوماتيكي، تتدافع مجموعة من الناس داخل القاطرة. شابّ يحضن يد صديقته يمسكان بعمودي، أصبحا قريبَين منّي، ظلالٌ متعدّدة الألوان مطبوعة على جفون عيني الفتاة الزرقاوين، متفرّدة بتلوين وجهها الشاحب. هي صديقته، ومن الطبيعي أن تكون حبيبته. في ليلتنا الأولى قال لي:
«أشكرك على صونِك لعفّتك».
هل من الضروري أن يصون الواحدُ نفسه ليسمع كلمة امتنان تافهة!؟
يهدر المترو من جديد، أنتبهُ لفتاة جالسة ترتدي فستاناً أقرب لأن يكون طويلاً. رسومٌ موشومة بألوان متعددة، حمرٍ وخضر يحدّدها الأسود على ساقيها البيضاوين كورقتين فارغتين جاهزتين للرسم، يبدو أن رقبتها عانت من وخز الإبر وكذلك يديها. يصبح وجهه بلون الدم حين ينفد صبري وأبدأ بالشكوى من غيابه الطويل في عمله واستئثار المشرط بدفء يديه ساعات في المستشفى، رغم احتياجي له. يبدأ بترديد الكلمات عينها:
«هل تعتقدين أني سعيد بذلك، كل ما أفعله إنما لأجل إسعادك وتوفير ما أنتِ عليه».
لا جواب لدي غير الصمت، حتى أصبح الأخير وسيلة اتصال مريحة اعتدتُ عليها حتى في المناسبات والأعياد الرسمية التي تضطرّه للبقاء في البيت، أتجنّب الجلوس معه، أهرب إلى حيث أَجِد نفسي من دونه، أصبحت أشتاق للصمت وأتوق للوحدة، تُعيدني رنّة المسج إلى واقعي، تنشغل يدي باصطياد هاتفي الغارق في أعماق حقيبتي المتخمة،
«أنتظركِ على أحرّ من الجمر».
من أين جاء بهذه الجملة المضحكة، هذا المغاير عن الآخر؟ منذ شهور قليلة تعرّفت عليه ولم يكفّ يوماً عن إرسال كلمات غرامية تُثيرني، ترطّب تربة روحي القاحلة بعد سنين عجاف، حاولتُ خلالها كثيراً إعادة خيوط الحميمية بيننا، الخيوط المهترئة، فأبدأ بمشاكسته:
«قل لي هل تراني جميلة؟».
فيجيب كالعادة بكلمة يتيمة: «بالتأكيد».
أُشاكسه أكثر: «ألا توجد في قاموسك كلمات أُخر؟!».
يجيب: «أنت تحتاجين شاعراً!».
وعشقتُ رجلاً يُغدق عليّ بكلمات غزل وما هو بشاعر. أُبعد عينيّ عن الموبايل لتقع على يد الشاب وقد راحت تتلمّس وجه فتاته وعيناه في عينيها. هل بمقدور الرجل الشرقي أن يفعل فعلتَه؟ أن يعبرّ عن لهفته وشغفه في أي مكان وأمام أيّ كان؟ عانيت من ألم شديد في تلك الليلة ولم أتصور أن للجسد قدرةً عظيمة على التحمل والتأقلم، وأن ألم النفس أشد وأعظم.

يتوقّف المترو تدخل كتلة بشرية دفعة واحدة لتملأ المكان، ألتصقُ بالجدار مبتعدة عن الأجساد التي بدأت بالتراصّ، وأتشبث بعمودي الأحمر أكثر، يصدر صوتٌ متقطّع قبل أن يُغلق الباب، يدخل على عجل محاولاً أن يحشر جسده الفارع الطول، الباب ينفتح بعد ملامسته معطفه الطويل، يتعالى صوت تحذيري: «يرجى إبعاد متعلّقاتكم من حقائب أو ثياب عن البوابة لسلامتكم». يلتصق بمجاوريه وأنا ألصق ظهري أكثر بالجدار المقابل له مُفسحة مجالاً قدر المستطاع لحضور هذا البهي، فالجمال يضيف للمكان سحراً خاصاً. وسيم يرتدي نظارة، لديه غرّة شقراء ملفتة، أحدّق بتفاصيل وجهه المرسومة وهو يحدّق في الأرض، بعد ثوانٍ تبيّنت لي من بين أجساد الراكبين حقيبةٌ جلدية على شكل كمان ملتصقة بثيابه، فازداد الجمال جمالاً، ورحت أغيم في ملامحه مرة أخرى.
نزعَ عن الكمان ثيابه الجلدية وراح يلعب عليه، جلستُ أمامه مأخوذة باللحن.. رفع عينيه وحدّق بي هذه المرة، وابتسم.. اقترَب وتكلّم بالإيطالية معي.. لم أفهمه.. أخرج كرتاً صغيراً مُدوّن عليه اسمه وعنوانه.. أنطونيو من صقلية.. ابتسمتُ له واتفقنا، فالأرواح المتجاذبة لا تحتاج إلى لغة أو مترجم.
تباطأ المترو استعداداً للتوقّف في المحطة المقبلة، يدي ما زالت معلقة فيما صار هو يحدّق في الفراغ أمامه. ينفتح الباب فيخرج منه.. أتخلى عن عمودي الدافئ.. محطته هي محطتي.. أباعد بين الكتلة البشرية بيديّ محاولة شقّ طريق للّحاق به. يسبقني وسط الزحام وأنجذب في السير خلف طوله الفارع، وغرّتُه الشقراء المتقافزة منارتي. يتناهى لسمعي رنين الموبايل، خطواتي تتباطأ، وبينما صوته يصلني هذا المغاير يستعجلني.. حتى أضعت المنارة وكأني أضعت الطريق. أتوقّف. الهاتف يلحّ بجنون. أتّجهُ إلى المترو.. لا يتوقف هاتفي عن الرنين فأُسرع إلى المحطة المؤدية إلى بيتي، بعض قوى الجذب تكون طاردة .