loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

غيابك أراني حقيقة عالمي

breakLine


تمارة علي الربيعي || قاصة عراقية

 

هند ،  هند .
تفتح إحدى عينيها ثُم تستعدُ لتوبيخ أخَاها المعتاد على اِزعاجها كل صباح ،  كي تقوم بتحضيرِ عجينة يصطاد بها السمك.
بعدها تدوف القليل مِن الطحينِ مع الماء وتقوم بعجنهِ بطريقةٍ مدروسة ، أمَا إيليا يتفصح سنارته جيداً  .
بعد ذلك يضع عجينتهُ بخرقةٍ مخصصة للصيد ،  تشبهُ القربةَ في صنعها ويمضي إلى الشاطئ.

هند البالغة من العمرٍ عشرينَ سنةٍ أي إنها أصغر مِن إيليا بسنتينِ تُساعد أمها في المنزلِ...

عائلةٌ قد همشها وهشمها الفقرِ .

شعرتْ هندٌ بأن الخمول يحتل إيليا تماماً ، وكأنهُ عازمٌ على أمرٍ ما . لم تجد تفسيراً لذلك إلا أنها قررتْ المضي خلفه إلى المكانِ الذي يصطاد به .
وضعتْ عباءة أمها على رأسها ومضتْ ، اِستغلت فرصة وقت الصيد لأن الصياد إذا تمكن من الصيدِ الوفير ينشرح صدرهُ للآخرين وكأن أحلامهم قد تحققتْ .

لَم يتفاجئ كثيراً بقدومها ، كانتْ عيونهُ تتوزع نحوها ونحو خيط سنارته ، وبعد أن استعدتْ للحديث  وإذا بالخيطِ يجره بقوة ، حاول أخراجهُ فلم يستطعْ ثُم أستعَان بهندٍ وهو يصرخ اسحبي العصا معي ، هيااااااا ، خرجَ رأسُ السمكةِ فقامَ بسحبها بهدوءٍ كي لا تتخلص من سنارته ، وقذفها خلفهم . نسيتْ هند ما جاءت لأجله وركضوا بها إلى البيتِ .
في المساءِ خرجَ إيليا ، ولم يعُدْ .
أما الأم وإبنتها تقفان على باب المنزل والدموع تخرجُ من العيون الأربعة ، ولكنهُ لم يعد فعلاً.
أستمرَ البحث عنهُ لمدة طويلة وحالة الأم وأبنتها لا يمكن وصفها أبداً حتى تمرضتْ الأم بسبب ذلك .

(المرض والفقر في آنٍ واحد )..

جزعتْ القرية من سؤال والدتها عن إيليا وأصبحَ أغلبهم يمضي صامتاً ، تاركاً خلفه اِنكسار أمرأة.
بعدها أصبحت الأم تُعاني من الأمراض الكثيرة ، أما هند في حيرةٍ مِن أمرها ، أخذتها مرة واحدة إلى المستشفى ولكن الطبيب أخبرها بأنها تحتاج إلى الكثيرِ مِن العلاجات التي تتطلب مالاً كثيرا.
لم يبق إلا البحث عَن إيليا وهَذا ما تفعله هند رغم أنها لم تتخلص يوماً من الكلام المقذوف خلفها من قبل الشباب وهي تلتفت إليهم وتقول لو كان أخي معي لوضع أنوفكم في الترابِ . ركض خلفها شاباً وهو يسير بجانبها ويقوم بصوتٍ هادئ :- هل تمكنيني من نفسك لو جهزت لك العلاج ؟ . تكمل طريقها بدون كلاماً ، وما أن تصل البيت تدس رأسها في الوسادةِ لتبكي بحرقةٍ صارخةً ( مجتمع متوحش) .

أصبحتْ الأم تعاني مِن الألمِ لدرجة أنها لا تستطيع القيام ، فشعرتْ هندٌ بفقدها ومصيرها بعد الفقدان ؟؟؟؟.
لا شيء أمامي إلا اِحضار العلاج حتى لو مكنت نفسي من أحدهِم ، قالتْ ذلك وخرجتْ وهي تقول أيضاً أنقذ والدتي وأتحملُ جريمتي .
صادفها الشاب نفسه حتى شعر إنها هي من تريد ذلك هذه المرة ، قال لها لا مال حتى إكمال الطلبِ .

دُق الباب ليلاً فأخذتْ تحدث نفسها بأنها تصدهُ عنها ولكن العلاج يصد تفكيرها ، وبعد أن ترددتْ فتحتهُ ، وعادتْ إلى الخلفِ خوفاً من الإفتراسِ .

حدَّقتْ بالوجهِ ، أرتبكت ثُم صرخت بأعلى صوتها  إيلياااااااااااااا.
رمتْ نفسُها إلى الغائبٍ الذي عاد وهي تبكي بحرقةٍ لا توصف .
من حسن الحظ قدوم الغائب سبق قدوم الشاب صاحب العرضِ ، لأنه في الطريقِ إليها وسمع بصوتها تصرخ (إيليااااااا) فرجع.

غيبتهُ كانت لأجل العمل وقد وفر الكثير من المالِ وفي اليومِ الثاني خرجَ إيليا وهند إلى السوقِ لأجل العلاج وهي تنظر إلى أولئك الأوغاد وتتمنى لو أن أحدهم يتجرأ ليسمعها أية كلمة ولكن هذا لم يحصل ، وتغيرتْ الحال بعد أن حصل إيليا على عمل في نفس المنطقة وأمها تحسنتْ ، أما هي تذهب للصيد مع أخوها في وقت اِستراحته ....

(الله سبحانه وتعالى هو المدبر الوحيد لهذا الكون ، فمهما كانت الظروف وقساوتها إلا أن الله يعلم بذلك ، فقبل أن تتصرف هند بتصرف غير أخلاقي لأجل العلاج فأن الله عاد لها بـ إليليا والعلاج معاً فاحمدوا الله دوماً الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد ويشعر بنا...) .