loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

غَمْزة

breakLine


زهير كريم  - كاتب عراقي


قبل أن يشعرَ سلمان، جارنا في قطاع 55 في مدينة الثورة، بأن  صاحب الأمانة التي لديه، قد أرسل مبعوثاً عنه، وهوقادمٌ بعد ثمانين عاما لأخذها. لم يشعر بالغبطةِ ولا بالحزن، لكن شيئا من الخفة قد غمر كيانه، حدث له ذلك عندما تيقن بأن زيارة المبعوث ستكون بمذاق ليس مرا كما يحصل لآخرين، بل هي زيارة خفيفة وبسيطة بل وخاطفة لن يشعر بها أحد غيرهن، وان الرحلة ستكون مثل حلم طفوليّ الى جزيرة العجائب، وأنه  يحتاج لكي تكون النزهة مثالية الى رفيق، وأن هذا الرفيق لابد أن يكون مستعدًا للسفر.

وكان سلمان يحتاج_ قبل ذلك_ للقيام بشيء وحيد وأخير، حركة وجدها في غاية الضرورة، نظرَ بعينيه المتراخيتين لزوجته سليمة، غمزَ لها فابتسمتْ، كانت غمزةٌ ذات طابع تخديري، سلب  منها كل إرادة،  لأنها انطوت _ كما تلقتها_ على رسالة تتضمن أن رحلته الى العالم الآخر لن يكون لها معنى إلا برفقتها. ابتسم  هو أيضا  مطمئنا لإجابتها السريعة الواثقة على دعوته، فقد يعثت في نفسه الشعور بالسلام، ابتسامتها التي كانت متقنة، تلقائية لم يمنعها من الظهور قيد أو شرط.. وجين  وصل المبعوث أغلق سلمان عينيه، فبدا كما لو أنه طرحَ آخر أسراره، ولم يعد يضمر في قلبه عن العالمين أي شيء.، مقتنعا بوصول نهره الى المصب.

ثم مرتْ أيام الواجب وسليمة دخلت في الليلة السابعة سريرها، كانتْ تفكر بغمزة سلمان الرائعة، تفكر بالبيت الذي  أمسى ساكناً كما لو أن العالم لم يعد، غمرها  شعور بأنها آخرانسانٍ على وجه الأرض. نظرتْ الى السماء عبر شبّاك الغرفة المفتوح على العتمة، كانت هناك نجمة وحيدة، نجمة تومض كأنها ترسل غمزات متوالية، عجولة و مدوّخة، ابتسمتْ لها، أغمضتْ عينها فأحسّتْ بجسدها يصير خفيفاً، يرتفع عن السرير ويطير خارجًا عبر النافذة ، مخترقًا العتمة الى هناك.