loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

فاسدون... ولكنهم؟!

breakLine

 


حسين المناصرة || كاتب فلسطيني

 


الحياة مدرسة عظمى، ومن لم يتعلم من الحياة فإنه لا يستحق أن يكون متعلمًا!! أما أنّ "لكل جواد كبوة"، فلا أعتقد أنها حكمة تصلح في هذا الزمان!! فإذا لم يكن للجواد مئة كبوة في الأقل، فهو ليس بجواد على أية حال!! اليوم، نحن نعيش، أو نتصور أننا نعيش، في أمن وأمان..!! لكننا لو تأملنا العمق في دواخلنا، لربما وجدنا في داخل كل إنسان منا عدة كوابيس من الخوف، والحذر، والخشية، والترقب، والتحسس، والتوجس، والتوهم، وألفاظ أخرى كثيرة...، تعبر عن هذه الحالة من الكآبة، حتى ونحن في رغد من العيش!! نلعن "الشيطان"، ونستعيذ منه، ومن أعوانه في الجن والإنس، فإذا أدركنا أن الشيطان شيطان، وأنّ الجني الشرير شيطان، وأن الإنسيّ الشرير شيطان...فنحن ندرك أننا أمام عدو واضح، وصريح، ولا يمكن أن يصنف في أي دائرة من دوائر الخير، أو الإنسانية، أو التربية الأخلاقية!! فاسدون ... ولكنهم بملابس أنيقة، وألسنة لطيفة، ومعاملة رقيقة، وأفكار نيرة، ونصيحة تبدو صادقة، ومجاملة تشعرك أن من تراه على هذه الصورة ملاك، لم يعرف في أي يوم من الأيام الشيطنة!! ملابس أنيقة...

 

 وجلود منتنة!! ألسنة لطيفة... وقلوب حاقدة!! معاملة رقيقة... وحقد أعمى مشبع بالحسد!! أفكار نيرة... وعقل إجرامي!! نصيحة... وحفرة ماكرة!! مجاملة...وفي القفى سياط من الضغائن!! من برّه ملاك ... ومن جوّه سخام!! أحيانًا، أرى أنّ الكتابة عن الفساد تبدو كأنها مدح له، وإشادة به، فالألفاظ أحيانًا تبدو ناصعة البياض وهي تعبر عن الفاسدين، وتشعر أنّ اللغة تئن وجعًا ومرارة من التعبير عن هذا الحضيض في المنظومة البشرية، فاللغة أنقى وأشرف من أن تنغرس في التعبير عنهم، حتى أنّ نظريات جماليات القبح، تعجز عن الوصول إلى أعظم درجة في توصيف القبح!! على أية حال، كيف استطاع هؤلاء الفاسدون أن يحققوا إنجازات فسادهم على رماد الخير والعطاء؟ هل وصلنا إلى ما جاء في الحديث: "إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لَوْ وَجَدَ فِيهِ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ لَاشْتَرَاهُ، وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْبَطُ فِيهِ الرَّجُلُ بِخِفَّةِ الْحَالِ، كَمَا يُغْبَطُ فِيهِ الْيَوْمَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ"؟!! 

 

أو أننا صرنا في زمن حديث: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ". هل أنا متشائم؟ ربما متشائل!! ولعلي متفائل تجاه الجرأة التي لدي في النبش عن جثث الفاسدين في ملابسهم الأنيقة، وأنهم على استعداد لأن يلبسوا ثوبًا أوسع عشرة أضعاف من ثوبهم الملتصق بجلود تمسحتهم، وقدرتهم العجيبة الغريبة على أن يكونوا مبتسمين بوجوه صفراء، يتقلبون كالحرباوات في كل المواقف، ويكذبون، وعندما لا يجدون من يصدقون أكاذيبهم، تجدهم أكثر الخلق تصديقًا لها!! نكتة:"يوماً ما، جاء إلى جحا رجل، وقال له: لقد ضاع حمارك يا جحا، ففرح فرحاً شديداً لضياع الحمار، وسجد شكراً لله. فاستغرب الرجل، وقال له: مالك تشكر الله وتفرح على ضياع الحمار؟ فقال جحا للرجل: إنه لم يشكر الله على الحمار، وإنما يشكر الله على ضياعه وحده، دون أن يركب عليه في تلك الأثناء؛ فيضيع مع الحمار".