loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

فصل من اليرابيع

breakLine

 

 

 

جيلالي عمراني/ كاتب جزائري

وصل المعزون من بلدات مجاورة، هناك من لا يعرفها أصلا، و من نسي قصَتها نهائيا، تراهم يهمسون، أو يتساءلون عن سبب رحيلها المفاجئ، جاء عسكريون و رفاقي  من "عين إبرة" بعضهم لا أعرفهم بالاسم، والدي ارتدى بدلة سوداء و ربطة عنق، كان مصدوما بوفاتها، لم يتحمس كثيرا ليتعاطى مع رفاقه بشكل سلس، دقائق ثقيلة و بطيئة، كان ينظر إليّ بين الحين و الآخر و أنا أثرثر عن القدر و الموت و الفجيعة التي تخلفها رحيل الأرواح الطيبة، إذ بالفعل كنت مجبرا على الرّد على أسئلة البعض، لم أجد كلمات حقيقية لقولها سوى أنصاف جمل مبعثرة، عني و عنها، عن إخلاصها لعائلة برنارد.
بعد الدفن بدوتُ غريبا، وحيدا، و يتيما في الزحام المؤدي بهم جميعا نحو منازلهم و مصالحهم، أغلب المشيعين ركبوا سياراتهم و غادروا على جناح السّرعة، أتفاجأ بيد دانييل على كتفي، كان أكثرني حزنا و صمتا بالكاد قلت له جملا قصيرة، عن اهتمامي الكبير بقصّتها، بقصّتنا، لعلي قلت له أيضا عمق تورطي في شباك هذه الحكاية، لا شفاء لي منها سوى كتابتها أو تخليدها بشكل ما هذا كلّ ما في الأمر. تصور و أنا الذي عشتُ بينهم و معها تحديدا، أقصد أمي البطلة، الحيادية في هذه المزرعة الشّاسعة، مع ذلك لم أكتب شيئا عنها ولا عن تلك الشَخصيات الغريبة و الوديعة التي كانت تحدثني عنها مثل روزا، و عن صديقاتها البريئات، لا أعرف عنها سوى شطط روت منها القليل، أو تلك التي سردتها عماتي و حرائق جدّتي الكثيرة، فتبدو تلك الأحاديث النسائية المسائية و ذكرياتهن المصطنعة مجرد حيلة منهن، يفعلن ذلك بسعادة فقط، لشدّي بكلّ ما يملكن من سحر القول، إلى ماضيهن التّعيس كأن وجوه أحبتي يقفون كحاجز منيع بيني و بين يومياتهم، صوت داخلي يؤنبني كلما اقتربتُ من سيرتهم الموغلة في الوجع و الفقدان و المرارة و الدم، كلما أردت أن أفعل ذلك صوت جدي أسمعه من بعيد متهما إياي بالخيانة العظمى: أنت انتهازي خطير يا بيير كيف تتاجر بقصص أهلك في صحف صفراء مدعيا النزاهة في القول، كم يدفعون لك؟ هه، قل ماذا تستفيد من نشر غسيلنا في تلك الجهات البعيدة طيلة أشهر عجاف وأنت تحكي و تحكي وتتلذذ بموتنا وحبنا و كرهنا وخلافاتنا و دمويتنا؟ 
بينما والدتي تقهرها تلك المقالات التي أكتبها عن نساء مختلفات، موشمّات برموز، عن  أطفال عراة،القابعين في تلك القرى البعيدة بعيدا المدرسة و الحياة و الضوء، تقهرها لغتي المفرطة في سلخ المحليين بكلمات بذيئة، مع ذلك تجد كتاباتي موقعا في الجرائد بل تتنافس من أجل نشرها أو تعيد نشرها في الأسبوع القادم.