loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

قصة قصيرة جداً

breakLine

 


حسن السلمان || قاص عراقيَّ


مع بزوغ الشمس، اسرعت الحاجّة فاطمة بالذهاب إلى مقبرة وادي  السلام بعد أن أمضت ليلتها في صحن الإمام. أمام قبر صغير لوليدها الذي مات غرقاً في دجلة وهو لم يتجاوز العشرة أعوام، قرأت سورة الفاتحة، وصبّت عليه عبوة من ماء الورد، وثبتت عشر شموع فوق سطح القبر، وأشعلت بضعة أعوادٍ من البخور.. مع انتصاف النهار غادرت الحاجّة فاطمة المقبرة، وعندما اشرفت على الخروج منها، التفتت إلى حيث قبر وليدها ووجهت إليه كلاماً مسموعاً:"اطمئنْ. سأعود إلى زيارتك قريباً". 
في طريقها إلى مرآب السيارات المتجه إلى العاصمة حيث تسكن في إحدى ضواحيها النائية، شعرت بصداعٍ ودوارٍ وجفاف يشلُّ فمها، فتوقفت عند بائع عصائر وشربت قدحاً بارداً من عصير الليمون، وتناولت حبة "براسيتول" وجلست على الرصيف لتأخذ قسطاً من الراحة. لكن الدوار لم ينته، والصداع لم يخف، وفمها ازداد جفافاً، ثم شعرت بتياراتٍ هوائية تعصفُ في تجاويف جمجمتها، فغام بصرها، واختلطت عليها الأشياء.. 
تحاملتْ على نفسها وأرادت الذهاب إلى المرآب فحارت أي طريقٍ تسلك. عادت وجلست على الرصيف وبحلقت في وجه امرأة تسألها:"حاجّة فاطمة هل أنت بخير؟" حاولت أن تتذكر من هي صاحبة هذا الوجه المدور الجميل، ومن هي الحاجة فاطمة تلك فلم تتذكر شيئاً سوى قبرٍ يضم رفات غلام مات غرقاً في دجلة، وعمره لايتجاوز العشرة أعوام.. بكمّ ثوبها الأسود مسحت دموعها، وشعرت بنفسها تدور في دوامة فارغة من التشتت والضياع. غابت الشمس فعادت إلى صحن الإمام وبقيت حتى الفجر تتطلع في وجوه الزائرين كما لو أنها تشاهد زوّاراً لأول مرة، وعندما لاح الخيط الأول للفجر، اسرعت إلى المقبرة.. حاولت أن تتذكر أين يقع قبر وليدها فلم تنجح في الاستدلال عليه.. امضت نصف النهار وهي تتجول بين القبور بحثاً عن قبر الغريق دون جدوى، وعندما يَئِستْ، ألقت بنفسها على قبر أحد الغرباء، واحتضنتهُ، وتذكرتْ كل شيء!!.