loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

قوس قزح

breakLine

 

 

 

 


   


هيثم بهنام بردى || قاص عراقي

 


نهض من سريره ومشى نحو النافذة الوحيدة للغرفة، فتح أظلافها وأطل من علٍ، حيث ترقد غرفته على سطح عمارة شاهقة، إلى العالم المنبثق تحته، كان كل شيء متناهياً في الصغر يدب في سير حثيث مثل النمل: الناس، السيارات، الحوانيت، الأرصفة،... نمل أسود كريه له فكوك حادة تقضقض في لحمه الطري الشهي فتداهمه قشعريرة واشمئزاز وشعور دافق بالغثيان فأنشأ يصرخ بألم وأسى، ويصحو على وجوه تطل عليه خلل غرفة بيضاء والوجوه تخزره بعيون زجاجية فتنتشله غمامة قيرية وتستحيل الوجوه إلى نمل، ويتشكل الكون على هيئة نملة كبيرة تدب في سير متواصل فيحاول أن يصرخ، أن يلكم الهواء بقبضتيه، أن يقوم من السرير الحديدي ويدوس بلا هوادة هذه الأسراب التي تدب على السرير، ولكنه لا يطيق حراكاً، ينظر مستجلياً الأمر... مكبل بالحديد، يرى النمل يسير على جسده فيعاود الصراخ، ثم يشعر بثقب ينفتح في وريده ويدخل النمل أكواما إلى دمه ويحيل جسده إلى نسيج إسفنجي ثم تغيم الأشياء في عينيه وتحمله غيمة بيضاء.
***
هم قالوا وهم ينوسون بمخالبهم.
- انه مصاب بداء العظمة.
ونملة صلعاء كانت تقتعد باب إحدى العمارات حدقت في وجهه بفضول وقالت بأستهانة.
- المتكبر كالواقف على شجرة يرى الناس صغاراً ويرونه صغيراً.
وصفقت أخرى يداً بيد في حزن حقيقي ثم كفكفت دموعها وهي تجيل النظر فيه بعينين رآهما تتخضبان بالدموع.
- يا خسارة.
ونمل استطرد، وآخر قال، وثالث لهج، وآخر، وآخر... وكثيراً ما تكلموا عن هذا المصاب بداء العظمة والشعور بالتفوق على البشر، أي بشر أيها الأوباش... ما الذي أبدعته هذه الأسراب اللانهائية من النمل التي أسمتها بشراً، وما الذي يمكن أن تتفاخر به...؟ أتتفاخر ب(أدولف)() ذلك العاجز الذي حاول أن يعوض إحباطه في فراش عشيقته ويتغلب على الإحساس المريع بالفشل، بتمزيق صفحات التأريخ وإشعال الكون بحرب لا تبقي ولا تذر لست سنين لكي يحسب من الخالدين،... أم بـ(ألفرد) ذلك المأفون المجنون، سليل الأقبية المسكونة بالعتمة والعفونة والذي تفتق خياله أو أخيلته المريضة عن اختراع مادة تحيل كل شيء في لحظة خاطفة إلى ركام وموت وفناء وعدم... وفجأة رأى أقراص الفاليوم والقطن وقنينة السبرت المعدوم والمحقنة النبيذة وقناني البثدين المخدرة، فأحس بها تستحيل إلى أميبا تترجرج على أرض الغرفة ساعية إليه فحبس صرخة مدوية وهرع إلى المكنسة الكهربائية، داس على زر فيها فابتلعت المخلوق الأميبي، سار نحو مكتبته وتناول كتاباً تآكل غلافه بفعل تقادم الزمن، فتحه على صفحة معينة وأنشأ يقرأ بصوت عال.
- أن السم هو الدواء الوحيد والمطلق والمضمون لقتل النمل، أما إذا لم يكن متوفرا فعلى الإنسان أن يفكر بالطرق الميسورة، وأفضل طريقة متميزة هي الحرق.
وضع الكتاب جانبا وتناول ثان بغلاف أجدد وفتحه ثم أركن ظهره على الوسادة وقال.
- سأنتقم لنفسي.
***
عندما انتهى من كل شيء وتأكد من كل شيء... المدفع في حالة جيدة ووضع مناسب والفوهة نحو أفواج النمل، والقنابل الحارقة متراصة أمامه والرغبة الحقيقية لتصفية الحساب صادقة وفياضة، ردد بحرارة.
- آن وقت المواجهة.
حمل واحدة وأقترب بكل ثقة من الفوهة وقبل أن يلقمها الجوف المميت ألقى نظرة أخيرة على العالم النملي الكريه الذي سيحيله رماداً ليبني عوضه عالماً نظيفاً خالياً من الكراهية... شلت يمناه وهو يبصر طفلاً ممداً على ظهره إزاء مدى بصره تماما يداعب كائنات لامرئية بيديه وساقيه ويكركر بين الفينة والأخرى بصوت أرق من النسيم. بقي على وقفته تلك... القدمان متباعدتان في حالة تأهب، الكفتان ممسكتان بالقنبلة أمام الفوهة، والعينان مسمرتان على الطفل، أحس بالأدران المتقيحة تتفتق في أحشاءه والصديد العفن ينز منها بغزارة، امتلأ صدره بالقيح، حاول أن يبصقه...لم يستطع، الرائحة النتنة تتفشى في زوره، في لسانه، في فمه، وإذ نظر ثانية نحو الطفل رآه قد اختفى مخلفاً مكانه بقعة باهرة من الشمس ورائحة زكية تتضوع، واهتدى الصديد أخيراً إلى المنفذ فجلس على الأرض مثل مسخ منسي وأنشأ يتقيأ.