loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

لماذا الكتب القديمة؟

breakLine

تحسين علي جبر || قاص عراقي


على الأرصفة تتطاير أوراقٌ إصفرّت. تبدو كأجنحة بلا جسد؛ فوحدها، تمارس هواية الانفصال عن المتن. شاعرةٌ بأن الزمن تخطّاها إلى جديدةٍ لا فرق بينهما، لولا أن تلك تبدو شابةً، وأكثر حيوية. لكن إذا قرأناهما، لما وجدنا الفرق الذي تحتّمه لعبة المعرفة. مغرمٌ أنا بالكتب القديمة، والتعليقات على صفحاتها؛ كإرثٍ تبدو لي. إن معتوهاً ما بين ألسنة اللهب كان يقرأ، والكتاب الذي ينجو معك من المعركة، لا تدخله في حربك مع الحياة. بيعت لربما، في زمن فات، أو نسيت. من يدري ولو أن أصحابها يحكون الساعة لحكوا كيف كانت الحياة مع كتابهم. قبل أيام، وعلى رفٍّ لمكتبة لا يدخلها أحد وجدنا كتباً تآكلت. عناوينٌ من دار رادوغا. كانت لتولستوي وغيره، وأخرى متفرقات لدور أكبر بتاريخها من بعض الدول. كتبٌ لم أعتقد أنه يمكن لأحدهم أن يتخلّى عنها لمجرد التخلّي؛ بل لربما خلّف هذا القارئ وراءه أهلا لا يودّون سماع صوته. أهم ناكروا جميل، أم كانوا غير قادرين على رؤية ما يذكّرهم به؟ فتحَ صديقي أحدها، ووجد فيه ورقة كتب عليها: رقم الفنان سعدون جابر، رقم بدري حسون فريد، أرقام فنانين آخرين. تصورنا لوهلة أنه كان كتاباً لمدير في وزارة الثقافة. كان مضحكاً ومحزناً حقاً أن نجد تلك الورقة؛ فهي دليلٌ على أن كتابنا لم يفتح منذ عقود. ورغم أن يوغسلافيا قُسمت، وماتت الناس في تسونامي، واختفى نظام صدام؛ بقي الكتاب هذا يحتفظ بهذه الأرقام التي تدلُّ على أمانته. ولم لا، فالكتاب أمانةٌ، والكتبُ أمانات.