loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

لموريسكية

breakLine

 

 

زهير كريم || كاتب عراقي

 

في مقهى صغيرة تقع في زقاق ضيق متفرع من ساحة (ثوكو دوبير) وسط مدينة طليطلة، طلبنا فنجانين من القهوة، والنادلةُ قبل أن تسجلَ طلبنا، رطنتْ بالاسبانية التي لا أفهمُ منها إلا القليل جداً. بعد عشر ثوان تقريباً ظهرَ لي أن خطابها سوف يأخذ وقتاً أطول من المعتاد، وليس أسهل على المرء في مثل هذه الحالة سوى الانسحاب. انسحبتُ كما لو أن التحلي بالصبر دليلاً على الحكمة، وليس على الضعف أمام اكراهات اللغة وحسبْ. لكن عبد الهادي سعدون كان يستمع باهتمام، على شفتيه تعلقتْ ابتسامةُ امتنانٍ أو ماشابه؟ في الواقع  بدا لي صبوراً ومتفهما لهذا الخطاب الذي كانت تلقيه الشابة بنبرة شعرية، مثلما كان صبوراً معي عندما سرد لي الكثيرَ من الحكايات، وقدم لي الشروحات عن كل شيء خلال تلك الأوقات التي كنا نتجول فيها داخل أزقة الجزء القديم من طليلطلة، البقعة التي شُيدت على مرتفعٍ تحيط به أودية وأجرافٌ عميقةٌ، حيث تتدفق في الأسفل مياهُ نهر تاجوس القديم، الخط المتدفق الذي يحيط  بالمدينة من ثلاث جهات.

غادرت النادلة، وكان لابد لي أن أسأل عبد الهادي: هل يحتاج الزبون  حقا الى كل هذا الكلام ليحصلَ على فنجان قهوة هنا!
: لا لا، ليس الأمر على هذه الشاكلة! ردّ عليّ ثم أضاف: بهذه الطريقة يرحّب أهل طليطلة بالغرباء الذين يدخلون المدينة لأول مرة، لقد قرأتْ لنا قصيدة (الحضور الرهيب) للغجري لوركا.

أريد أن يتحدثَ الثورُ مع الأغصان
أريد أن تتخلصَ الدودةً من الظلال.
و أريد أن أرى مبارزةَ الليلِ الجريح
متلوياً في نزالِه مع النهار
............................
.......................

والحكاية بدأت  في نهار غائم بعد سقوط (الكازار) القصر الكبير في طليطلة، بيد قوات فرانكو أثناء الحرب الاهلية. وصلتْ بنت جميلة جدا لم يكن أحد من سكان طليلطة قد رآها من قبل، شعرها كان قصيراً بلون أسود، ترتدي (تي شيرت احمر، أو أزرق)،  تضع في قدميها حذاءً رياضيا، وتلبس مايشبه شورت قصير أظهر الجزء الاكبر من فخذيها الممتلئين، بينما صدرها كان مرتفعا، يهتز مع كل تنهيدة من خلف النسيج القطني لل(تي شيرت). وكما تقول الحكاية إن الناس في ذلك الوقت لم يستوعبوا إطلاقا، كيف أن امراة شابة تظهر في الشارع بملابس غريبة، بفخذين عاريين. بعضهم  قال إنها حورية أو من قبائل الجن، بالنسية لهؤلاء أرادوا أن يجدوا تفسيراً ما لهذا الظهور المستفز في مدينتهم الصغيرة، الظهور المربك للبصر، والمثير للغواية، ساعدهم  آخرون عندما أكدوا على أنهم شاهدوها تخرج من نهر تاجوس، ورغم أن آخرين لم يصدقوا مثل هذه الخرافات، اندفعتْ الحكاية الى منطقة الاسطورة. لكن البنت كانت بشراً وليست حورية بالطبع، بصوتها الجميل كانت تردد اشعار لوركا، لغتها الاسبانية  سليمة جداً، وكانت تفصح  فوق ذلك عن اسمها للجميع 
: اسمي  (إيريس المنارة).
قالت بأنها جاءت لتخبرهم إن لوركا مات، قتله جنود فرانكو، انهى الفاشيئت حياته وعليهم أن يعيدوه لأسبانيا الثكلى من خلال حفظ قصيدته هذه،  كانت تشير الى النص المكتوب على فخذها الأيسر. لكن المهم في حكاية إيريس المنارة، أن لا احد يعرف من أين جاءت بالضبط. البعض قالوا بانها  موريسكية من سكان غرناطة مدينة لوركا نفسه، او من برشلونه ربما، آخرون أكدوا على أنها من مالقا أو اشبيلية أو سرقسطة، لكن رجلاً يبدو واثقا من معطياته قال إنها ولدت هنا في طليطلة من عائلة عربية استقرت فيما بعد في فالنسيا  بعد سقوط  المدينة على يد القشتاليين، إنها من هنا وعنده الدليل على خريطتها العائلية المحفوظة في مكتبة المخطوطات. وكانت إيريس قد شوهدت في مدن كثيرة بعد مقتل لوركا الشاعر، على فخذها الأيسر قصيدة  الحضور الرهيب كاملة. وحين وصلت الى هنا، قابلها الجميع  في الازقة الضيقة لطليطلة. ومنذ ذلك اليوم الغائم  والأيام التي تلته، كانوا يوقفونها، يلتهمون بعيونهم المغمورة بالخوف قصيدة الشاعرالقتيل. لكن أهم مفصل في الحكاية أنه في احدى النهارات، وقف شخصُ أمامها، جثا على ركبيته، وكان رجلاً يبدو في حالة من الوجد والعاطفة المتوقدة والحزن أيضا، شاعر في الستين لم يكتف بقراءة القصيدة وحسب كما فعل الآخرون، بل أخرج لسانه ولحس الكلمات من االأسفل الى الأعلى، ومن الاعلى حتى الاسفل. بعدها  قلده الجميع، سكان توليدو كلهم، الاطفال والرجال والنساء مرروا  السنتهم على القصيدة، لحسوا الكلمات المكتوبة بحبر لم يكن قد تلاشى لونه طوال فترة  تجوالها. وفي النهاية اختفت القصيدة من فخد ايريس التي اختفت هي الأخرى، دخلت النهر، او ذهبت على الارحج الى مدينة اخرى. لكنها في السنوات اللاحقة، وطوال فترة حكم الجنرال فرانكو، ظلت تظهر مرة في الجنوب ومرة في الشمال، مرة في مدريد ومرة في الخزيرات، شعرها القصير نفسه، ضحكتها العذبة نفسها، على فخذها قصيدة الحضور الرهيب التي كانت قد تسللت للطبقات العميقة  في وجدان أهل طيليطلة، أصبحت شفرة في الخارطة الوراثية لهم، حيث يولد الأطفال هنا، وتولد معهم القصيدة التي صارت فيما بعد طريقة للترحيب بالضيوف كما فعلتْ معنا هذه النادلة.