loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ليلة فرار الجرذ

breakLine


 

كاظم جماسي || قاص عراقي


مقرفصا كما شبح، يضم ساقيه الى إنبعاجة بطنه، فيما ظهره يتقوس بشدة دافنا رأسه الضئيل بين ركبتيه العجفاوين،  وبرودة البلاط الأسمنتي تنفذ بوحشية في عصعوصه. ينتبذ، عاريا تماما، زاوية متناهية الصغر من قفص مشبك حديدي مسند الى جدار كونكريتي أصم، وقد توسطت الجدار بوابة فولاذية سوداء.
على مبعدة أقدام وفي حديقة زاهرة، أنتصبت مائدة بيضوية باذخة بإلوان وأصناف من المأكول والمشروب، يقتعد رأسها صبي أسمر فارع الطول بشارب كث وكتفين عريضين مرتديا بدلة غريبة، نصفها الأيمن أبيض والآخر أسود، يعتمر قبعة كاوبوي عريضة الحواف بلون أصفر فاقع، ويحيط بالمائدة من أنحائها الأخر جمع من صبايا أنصاف عاريات يشبهن الدمى لكثرة ماحملت وجوههن ورقابهن من ركام أصباغ وألوان.
شق دخان سيجارته" الجرود" صوت الشاب لاثغا بالراء: هذا الجرذ هناك" وأشار الى الحبيس في القفص" يريد أن يصير رئيسا للجمهورية .. هىء .. هىء .. هىء ..ورمى ببقايا تفاحة كانت بيده نحو الحبيس، فقفز الأخير، مساقا بجوع كافر، من فوره اليها، يلتهمها فيعود الى حيث زاويته، يتزارق بؤبؤاه في حدقتيه، بينما راح جمع الصبايا يضج بموجات ضحك هستيري، له رنين صنوج نحاسية..، ثم ليحذون حذو الصبي فيقذفن الى القفص بما تخلف من قشور وبقايا موز وبرتقال وغيرها ..
على هذا المنحى، بالنسبة للجمع المحتفل، تسربت الساعات سراعا كما إنسراب الماء من ثقوب غربال، كان الصبي يصول ويجول فيها خطيبا أوحد، فيما الجمع أما منصت بخشوع أو مصفق بإعجاب مصطنع، حتى أشار الصبي لهم أن آن أوان الرقص، فنبع من العدم عازفان أحدهما بدمام والآخر ببوق، وأصطف قبالهما الجمع بنسق عرضي، تتشابك أذرعهم كما السلسلة أحتل الصبي رأسها، وعلى إيقاع الدمام وعزف البوق وكلمات اهزوجة" هلا ياصقر البيده .. يالقاطع سكة بعيده" مضى الجمع يرقص مترنحا بنحو شائه وقبيح .. ولم تمض سوى حفنة دقائق حتى بان إنهاك الخمر والسهر على أجساد الراقصات فرحن يتعثرن لتسقط أرضا، واحدة هنا وأخرى هناك، بينما تجلجل في الفضاء قهقهات الصبي فترجع صداها جدران القصر وأسيجة الحديقة ..
بإشارة منه عاد جمع الراقصات المترنحات الى مقاعدهن، وعاد الصبي، بعد أن أطمأنت عجيزته الى مقعدها المنيف، ليشعل لفافته" الجرود" ..  استل نفسا عميقا منها، ثم خاطب الجمع لاثغا: الأرادة الألهية تمهل ولا تهمل، واللحظة قررنا إنزال القصاص العادل بمن سولت له نفسه التمرد على سادته ليغدو عبرة لمن يعتبر..
أرتفعت ذراعه عاليا وطق أصبعين فيها، مافتأت أن أرتفعت بوابة القفص الحائطية الفولاذية السوداء فاسحة المجال لتقدم نمر عظيم الهيئة، لخطو قوائمه اهتزاز مضخم داخل القفص، متمهلا أخذ يستطلع فضاء القفص بنظر يقذف شررا ..
في زاويته الضئيلة إنكمش الحبيس حتى كاد يتلاشى ، ولما بلغه النمر أحنى رقبته وراح يلعق بلسانه رأس الحبيس وكتفيه لوقت كاف لبث الطمأنينة في نفسه، فتشجع الأخير، بعد أن رمق النمر بنظرة وادعة، وراح يمسد براحتيه وبر رقبته ورأسه ..
على المائدة البيضوية ساد وجوم عميق، وتقولب، كما جمع من تماثيل، جمع المحتفلين، لا يصدر عنهم نفس حتى، بمن فيهم الصبي، خطيبهم المخول والحاكم بأمر الأرادة الألهية، وفيما هم هكذا، تقدم النمر بخطى واثقة حتى مقدمة القفص، يتبعه الحبيس منتصب القوام سائرا بإعتداد بين بالنفس، مالبث النمر أن اشهق قائمتيه الأماميتين قابضا بعنف على قضبان القفص مضرضرا بصوت  مهول الرعب، فلم يك من التماثيل أن تقافزت كما جرذان مذعورة هاربة الى أنحاء شتى، والصبي في المقدمة منها .. ولم يبق في الأثر سوى قبعة كابوي صفراء فاقعة ولفافة" جرود" توشك على الأنطفاء.