loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ما بين آريانا وماريانا

breakLine


كلكامش نبيل| كاتب عراقي / الجزء الاول

 

 


كان يا ما كان في قريب الزمان، كان هناك رجلٌ فقير اسمه «أمْدَش» يجوب الأسواق بحثًا عن عملٍ ليسدّ به جوعه ويمرّ يومٌ آخر من حياته البائسة. كان «أمْدش» وسيمًا وأكسبه فقره حيل التملق والنفاق، وله خفة دم وظرافة تجذب النساء، لكن فقر الحال يجعلهن يحجمن عن الارتباط به، وإن عشقنه، فليس له دخلٌ مستقر ولا مسكنٌ يؤيه.

في ذات المدينة، كان هناك تاجرٌ ثري اسمه «ماجد» يسيطر على اقتصاد المدينة وتجارة الزيوت وله قصرٌ فخم يضاهي قصر السلطان ويتوسط المدينة. كان ثراؤه موضع حسد التجّار وكان قصره موضع إعجاب كل زائرٍ للمدينة وطمع السلطان نفسه. وعلاوة على ذلك، كان «ماجد» من أقدم سكان المدينة وتاريخ أسرته معروفٌ للجميع، بما في ذلك السلطان «ديّان». وعلى الرغم من كثرة الحاسدين والطامعين من حوله، لم يتمكن أحدٌ من أن يظفر به، ناهيك عن أن يوقع به، لحسن سلوكه وأمانته وحب الناس له ومساعدته للفقراء والمظلومين.

حاول السلطان كثيرًا الإيقاع بـ«ماجد» من دون جدوى. كان يمقته بسبب أصالة أسرته ويطمح أن يحدّ من تعاظم ثروته، وفوق كل ذلك أن يمتلك قصره الفسيح وجنائنه وارفة الظلال، كأنه جوهرة من عالمٍ آخر تتلألأ وسط شحوب المباني القديمة وواحة خضراء سريّة وسط المدينة الجرداء وأزقتها الضيقة ومنازلها المتزاحمة. حاول السلطان «ديّان» كثيرًا اختراق أسوار قصر التاجر والإطلاع على أسراره من دون جدوى ولم يستطع تجنيد خدمه للتجسّس عليه. فكّر «ديّان» أن يتقدم بطلب يد ابنة التاجر الحبيبة «لَيان»، ولكن «ماجد» اعتذر بأدب محتجًا بصغر سن الفتاة وأنها لا تريد الزواج. كان ذلك الرفض نذير كارثة توقّعها التاجر، ولكنه جازف بذلك لعلمه بحيل السلطان وحبه الجم لابنته. بالطبع، عدّ السلطان ذلك الرفض إهانة تستحق شديد العقاب وسعير الانتقام.

في أحد الأيام، كان «أمْدش» يتسكع على أطراف المدينة، ويفكر في حبيبته «آريانا»، ابنة قائد الحرس، التي يصادفها في الأسواق عند التبضع ويقف ليلا أسفل شرفة منزلها ويكتفي بابتساماتها في ضوء القمر ودلالها الذي يكشف ولعها به، من دون أن ينبسا ببنت شفة. كان يفكر إن كان في الإمكان تسمية علاقة النظرات الصامتة تلك حُبًا، وإن كان يطارد وهمًا، فمن هو ليطلب يدها! قد يقتله قائد الحرس «فرناس» ويقطعه إربًا إن هو سمع بهذه الحكاية أو رآه يقف على مقربةٍ من الجدار الخلفي للقصر الفخم. فكّر فجأه في المعجزات وإمكانية أن ينقلب وضعه في ليلة وضحاها، كما تشرق الشمس ويحل الصباح ليجلو ظلمة الليل. مع ذلك، انهمك في التفكير في استحالة تحقق تلك الأحلام وضرر الاستغراق في ثناياها.

وبينما هو جالس على مقربة من الطرف النائي لسور المدينة، لمح مجموعة من قطاع الطرق تهاجم ثلاثة خيالة. سمع صراخ النساء وتردّد في أن يتدخل، فلم يكن معه سلاح ليدافع به عن تلك النسوة. مع ذلك، أحسّ بضرورة التدخل، فانطلق على قدميه بسرعة، وشاهد العصابة المؤلفة من خمسة رجال، وعلم أن هناك خادمًا يحمل سيفًا، لكنه أصيب في ذراعه إصابة بالغة، ولم تكن مع السيدة وخادمتها أسلحة. بعد قليل، أدرك أن السيدة الحسناء «ليان» ابنة كبير التُجار. قال في نفسه: «ربما ابتسم لي القدر هذا اليوم، ليان أو آريانا، لا فرق! قد يكون هذا باب سعدي! سوف أغامر لافتحه واسبر أغواره».

حرّك الطموح «أمْدش» وحفزه للقتال بشجاعة، وهو يجهل فنون الحرب، فانتشل السيف من الخادم الجريح وامتطى صهوة جواده وحارب بضراوة. اندهشت العصابة من جسارة الملثم رث الثياب، وقد أصابهم إصاباتٍ بالغة، ودافع عن السيدة ومالها. هرب اثنان من اللصوص بسبب النزيف، وشعر قائد المجموعة بالانكسار وخسارة هدفٍ ظنه يسير المنال. بعد قليل، شاهد المجرم مجموعةً من الحرس على مبعدة، ويبدو أنهم لمحوا تلك المعركة، وكانوا في الطريق لتقديم النجدة. وقبيل الانسحاب، أصاب زعيم العصابة «أمْدش» بجرحٍ غائر في ذراعه وهدده بالانتقام، قبل أن يأمر جماعته بالانسحاب.

صهلت الخيول وأثارت الغبار بحوافرها، وتوارت العصابة في لمح البصر وكأنها مارد عاد فجأة إلى المصباح السحري. اقترب «أمْدش» من الآنسة «ليان» وكشف عن وجهه الوسيم وسألها إن كانت بخير. أُعجبت الفتاة بمنقذها البطل وشكرته وسألته إن كان في مقدورها أن تردّ جميله. قال لها أنه لم ينجز المهمة بعد ولن يتركها حتى يوصلها إلى المنزل بسلام، ولم يُظهر لها أنه قد ميّزها. وصل الحرس أخيرًا وعرفوا أن شيئا لم يُسرق ولم يُقتل أحد وقرروا مطاردة اللصوص على أمل إلقاء القبض عليهم. ضمدت الخادمة جرح الخادم والمنقذ بقطع ملابس قبل أن ينطلقوا إلى المنزل.

اجتاز الشاب المنتصر بوابة المدينة واخترق شوارعها برفقة الآنسة المتيّمة وهو يشعر بالزهو والانتشاء. في فناء القصر الخارجي، التقى كبير التجار «ماجد» بمنقذ ابنته وأمر بإكرامه، لكن الشاب شكره وقال إنه لم يفعل ذلك إلا بمقتضى الشهامة. أمر التاجر بعلاجه وسأله عن طلباته ليرد الجميل. في النهاية، قال «أمْدش» أنه بحاجة إلى عمل يعول به نفسه وأن بإمكانه خدمته في المنزل أو أن يكون من بين حراسه. شعر التاجر بالحرج، وكان يودّ لو أنه منح الشاب مبلغًا كبيرًا من المال مرة واحدة وصرفه، ولكن ابنته طلبت منه أن يقبل، فوافق على استخدامه في القصر. في تلك الليلة، كان الشاب يفكر إذا ما كان قد ضيّع الفرصة في الصعود وطلب المزيد أم أنه بالفعل قد خطى أولى خطواته نحو المجد.

بمرور الوقت، أصبح «أمْدش» مؤتمنًا في المنزل، وصار يدخل على غرفة كبير التجار ويناقشه مستغلا ذكاءه وظرافته، فحظي بتقدير الرجل وإعجابه. تغيّر وضعه وحسُنت ملابسه وواصل الذهاب سرًا إلى منزل قائد الحرس ولقاء حبيبته «آريانا» لقاءً تتحدث فيه العيون وحدها. زاد ولُه الشاب ورغبته في أن يخطو خطواتٍ جديدة ويرتقي ليتمكن من الاقتران بمحبوبته فاحشة الثراء.

بمرور الوقت، أدرك «أمْدش» وجود مشكلة مالية كبيرة في منزل سيده واطلع على أسرار ما يحدث. وبعد تفكير عميق وتقليب الخيارات ورسم السيناريوهات، قرّر تنفيذ الخطة وتوجه إلى قصر السلطان. عند بوابة القصر، سخر الحرس منه وطلبه الدخول على السلطان. تكرر ذهابه وكانوا يظنون أنه معتوه أو مجنون، ولاسيما عندما أخبرهم بأنه قد يُساعد السلطان في التخلص من عدوه والحصول على مبتغاه. قالوا ساخرين: «أنت تساعد السلطان؟ وفيمَ؟ التغلب على عدوه! إمضِ بعيدًا أيها الأخرق!».

ذات يوم، كرّر«أمْدش» محاولته، وبينما زجره الحراس وهددوه بأخذه إلى السجن، مرّ موكب السلطان عند البوابة وشاهد السلطان ما يجري. صرخ الشاب: «أيها السلطان! لديّ لك خبرٌ يحقق مبتغاك وأقصى أمانيك! ناشدتك أن تنصت إلي!». ضحك السلطان، لكنه أُعجب بجرأة الشاب وإصراره عندما اعتذر الحرس وأخبروه بأن هذا الشاب يجيء إلى هنا بشكلٍ متكرر. أمر بإدخاله بدافع الفضول ورغبةً منه في أن يحدث هذا الشاب بهي الطلعة من دون أن يأمل في صدق ما يدّعيه ولم يخطط لعقابه لو اتضح أنه يهذر.

في صالة العرش، دُهش السلطان من جرأة الشاب وكلامه، حيث شرح له بأنه يحب السلطان ويسعى لخدمته، ويعلم عن رغبته في التخلص من «ماجد» وعن عجز خدمه عن اختراق قصره، وأنه قد يحقق له كل هذا بعد أن اخترق قصر كبير التجار، ولكن له شرطًا واحدًا فقط: أن يقربه منه ويزوجه ابنته المبجلة «ماريانا». جَن جنون الملك في البداية، وكان «أمْدش» يعلم أن هذا الطلب مجازفة قصوى، وهذا ما جعله يقضي ليالي لم يعرف فيها طعم النوم خوفًا من مآل هذه الجرأة، ولكنه حسم أمره وقرّر أن يجازف، وعلى لسانه بيتٌ يقول «قد فاز باللذات من كان جسورًا». راهن «أمْدش» على شيءٍ واحد: أن يغلب جشع السلطان في أن ينال القصر ورغبته في أن يهزم خصمه ويرد إهانة رفض التاجر تزويجه ابنته «ليان»، حبه لابنته وإهانة تزويجها من خادمٍ مُعدم. كان «أمْدش» يرجح أن يتغلب الحنق والرغبة في الانتقام على فداحة قبول طلبه. وبعد زمجرة وصراخ، هدأ السلطان وقال: لك ذلك، على أن نسألها رأيها، فإن لم ترضَ لم أعد ملزمًا بشرطك هذا. لكن الشاب كان قد فكر في هذا المهرب، فقال: أرى أن نسألها الآن، فإن لم ترضَ بي، لا داعي لأن أسيء لمن أكرمني، فلم أقم بذلك إلا لأنال حظوة القرب منكم وتحقيق أمانيك والزواج من أجمل فتيات المدينة وأكرمهن نسبًا.

بالفعل، فضل السلطان الانتقام من خصمه ورأى أن القبول بصهرٍ كهذا مكسب وخطر في الوقت ذاته. طلب الشاب أن يحظى بفرصة لقاء الأميرة «ماريانا»، وأن عن بعد، قبل أن يسألها. وافق السلطان وهو يشعر بأن شيئا غريبًا يحدث له يدفعه لمسايرة هذا الغريب بدءًا من قبوله لقاءه. وبعد أن حظي برؤيتها تلهو مع طاووس رفقة وصيفاتها بالقرب من بركهة القصر المغلفة بالآجر المزجج، طلب السلطان رأي ابنته في قبول الزواج من هذا التاجر – كما قدّمها له –، وفي حال نجح في تحقيق وعدٍ قطعه، وقفت تطالع وجهه الوسيم وعينيه الشهلاوين وشعره المموج بلون الكستناء، قالت إنها لا تمانع، ما دام تاجرًا محترمًا يليق بمقامنا.

طار الشاب من الفرح وقال السلطان – مُغتمًا – بأنه موافق، ولكنه ظل يفكر طوال الليل إن كان سيرد إهانة «ماجد» له بإهانة نفسه وتزويج ابنته من خادم يتجسس على سيده. تذكر أن الإهانة جاءت أولاً بسبب رغبته الحصول على القصر والقضاء على خصمٍ أعجزه القضاء عليه. فكّر أيضًا في إمكانية أن يهرب من شرطه لاحقًا ويعتقل «أمْدش» ويقضي عليه.

بمرور الوقت، وجد السلطان نفسه يواجه خصمًا شديد الذكاء، حيث طلب منه أن يلتقي بابنته بعد أن يتم نصف ما يريد. اضطر مجددًا للقبول من دون أن يعلم كيف ضعُف إلى هذا الحد، ولكنه الطمع في الحصول على ذلك القصر وحنقه على شخصٍ أعيته منازلته. مع ذلك، قال في نفسه أنه لا يزال هناك ألف مخرج من الأزمة بعد إزاحة ذلك التاجر المحبوب.

بعد أسابيع، تحقق ما خططا له، فقد تعرض زمرة مارقة ضخمة لقافلة التاجر «ماجد»، في نواحٍ بعيدة، ولم يخرج الحرس للنجدة، وكانت القافلة تضم أموال التاجر كلها وأموال تجارٍ آخرين وأناس رغبوا في تشغيل أموالهم معه. كانت التجارة راكدة واضطر «ماجد» لمثل هذه المجازفة وتحمل مسؤولية الجميع، وكان يعلم بأن كل هذا سر لا يعلم به أحد. فُجع التاجر بالخبر ولم يدرِ كيف حصل هذا وكيف علمت العصابة بأنها قافلة تضم الكثير من الأموال والبضائع – من حرير وتمور وزيوت ونبيذ. بعد أيام، سقط «ماجد» مريضًا وتوجّب عليه تسديد ديونه فضلاً عن خسارته، وكانت المبالغ طائلة ودُهش بأن جزءًا كبيرًا من الأموال المفقودة تعود للسلطان، وقد أقرضها له عبر وسطاء من دون أن يدري، وأرسل له يطالبه بردّ أمواله. لم يمرّ «ماجد» بمثل ذلك الظرف من قبل، وشعر أنه لص مطارد وساء حاله ولم يجد حلاً سوى بيع القصر وخيوله. 

بعد أن أصاب الكمد كبير التجار، وأحجم جميع رفاقه – إلا واحدًا - عن الوقوف إلى جانبه، عرض قصر عائلته المنيف للبيع، ولم يكن هناك من يقدر على شرائه في المدينة بأسرها. باع الخيول تباعًا واضطر لصرف الخدم بعد أن عجز عن سداد معاشهم. لم يكن يتصور يومًا أن يصيبه كل هذا، ولم يزل «أمْدش» يظهر ولاءه لسيده وقال إنه لا يريد راتبه حتى تنفرج الأزمة. في النهاية، ومع تعاظم الضغوط من السلطان لسداد الدين وتهديده بسجن التاجر، وتردي حالة «ماجد» الصحية، وافق على بيع القصر بسعرٍ منخفض لتاجرٍ مجهول جاء يعرض مقدار ما يطلبه السلطان فقط. علم «ماجد» أنه يبيع القصر بسعرٍ بخس، ولكن السلطان يهدده وطلب منه أن يتزوج ابنته من جديد من دون أن يتلقى جوابًا. حاول صاحبه «أمين»، وهو تاجر سجّاد متواضع، سداد بعض الديون عنه، ولكن حالة التاجر المنكوب ساءت.

في النهاية، بيع القصر وذهبت الأموال كلها لسداد دين السلطان – عبر الوسطاء – ووجد التاجر نفسه بدون مأوى سوى بيتٍ ريفي صغير في منطقة بعيدة، ولكن السلطان منعه من المغادرة وهدده بالسجن إذا ما فكر في الهرب من سداد بقية ديون التجار بحجة الذهاب للعيش هناك. اضطر في النهاية لإيفاد صاحبه «أمين» ليبيع له تلك العزبة ويسدّ بعض الديون، وهكذا أضحى من دون مأوى وانتقل للعيش في ضيافة رفيقه المخلص. في تلك اللحظة، أخبره «أمْدش» أنه مضطر لوداعه وغاب عن الأنظار. بعد أسابيع، اكتشف الجميع أن القصر البهي أصبح من ممتلكات السلطان الذي واصل ضغوطه على «ماجد» لسداد ديون بقية التجار وهدده بإلقائه في السجن وأنه قد يسدّ ديونه إذا ما وافق على زواجه من «ليان». رفض الوالد طلب السلطان الحقود على الرغم من موافقة ابنته لانقاذ والدها من السجن.

نفّذ الملك وعيده وألقى التاجر المسكين في السجن، رغم تنازل بعض التجار عن ديونهم رأفة بحاله، وسامه صنوف العذاب والإهانة في زنزانة مظلمة لا يدخلها ضوء وكأنه من عُتاة المجرمين والمتمردين. بعد ليالٍ من الأسى والحزن، وبعد أن عجزت زوجة «أمين» في ثني «ليان» عن قرارها بقبول الزواج من السلطان. وبعد أن توجهت إليه رفض استقبالها عدة مرات. وفي النهاية، قال إنه مستعد لقبولها في الخدمة ولم يعد راغبًا في الزواج بها. أصابها الأسى في مقتل، وقررت قبول ذلك لقاء أن يُفرج عن والدها. تحقق ذلك، وخرج «ماجد» من سجنه وكأنه قد تضاعف سنه، ولما علم ما حدث انهار وتوفي في الفور. بعد ذلك، طرد السلطان «ليان» المنتحبة من الخدمة ولم تجد سوى بيت التاجر «أمين» يؤيها، وتزوجت ابنه الشاب في عرسٍ أشبه بالمأتم.

ولما تمّ ما أراده السلطان وأكثر، من الاستيلاء على القصر الفسيح من دون أن يخسر شيئا حتى، وانتقم من «ماجد» وابنته أيّما انتقام، حان وقت تحقيق شرطه والوفاء بعهده للجاسوس الداهية «أمْدش». اغتم كثيرًا وفكر في طريقة للتخلص منه وأن يخلف عهده له.