loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ما روته القصخونة

breakLine

 

 


رغد السهيل - قاصة عراقية


سأدخل مقهي حسن الشاهبندر وسط شارع المتنبي، سأطلب كرسيًا، وسأضع فوقه بضعة وسائد، سأجلس فوقها بهدوء، سيسألوني: مَنْ أنتِ؟ سأقول لهم أنا قصخونة بغداد، سألتمس من الحضور حسن الاصغاء، وسأقص عليهم حكاية السيد وطن:

اشترى السيد وطن بنطالاً أسود اللون من المركز التجاري القريب من داره، ابتهج كثيراً لأنه حصل عليه بسعر مغرٍ في فترة تخفيض الأسعار، فالبنطال من ماركة عالمية معروفة كانت باهظة الثمن، وقماشه من نوعية راقية ممتازة، وينسجم فصاله مع آخر الصيحات الحديثة للأزياء الرجالية، لكنه عندما جربه في البيت وجده طويلاً أكثر من اللازم، ضحك وهو يحدث زوجه: انظري أكاد أغرق فيه، سألها أن تقصره بحدود أربع أصابع لا أكثر، أخبرته بدورها إنها لا تجيد أعمال الخياطة، وتخشى إن فعلت أن لا تحسن العمل والبنطال من ماركة مشهورة غالي الثمن ويتوجب الحذر كي لا يُشوه فصاله، واقترحت عليه أن يحمله لأمه فهي تجيد الخياطة وسبق أن أصلحت ثوباً لها، فحمل البنطال إلى أمه وطلب منها الطلب نفسه، لكنها اعتذرت لأن بصرها أصبح ضعيفاً جداً، فلن تتمكن من لظم الخيط في الإبرة، وأبدت له إعجابها بالبنطال فنسيجه من النوع البارد في الصيف وسينفعه بقيظ طقسنا اللاهب، واقترحت عليه أن يسأل أخته فهي بارعة في الخياطة هذه الأيام، فحمله إلى أخته لكنها نهرته وقالت له: وما شأني أنا، لِمَ لا تفعل هذا زوجك؟ أولا تكفيني أعباء البيت؟ أنا أعمل ليل نهار وزوجك لا تساعد ولا تعين، عليك أن تؤدبها. وواصلت أخته كيل التهم على زوجه التي تظن نفسها أميرة في الولايات السعيدة، تقضي جل وقتها بين النوم و الثرثرة التافهة مع الصديقات!..
أدار ظهره لها يائسا من أهل بيته، ورمى البنطال فوق الأريكة في صالة البيت الرئيسة، كي يتذكره حين يراه في الصباح، ليحمله إلى الخياط ، ذلك أفضل له من التوسل بالنسوة اللواتي يتحججن بحجج واهية كسلاً منهن، وليريح رأسه من صداع نزاعاتهن التافهة، ثم دخل غرفته  لينام..
أفاقت أمه عند صلاة الفجر ولمحت البنطال مرمياً فوق الأريكة، أشفقت على ولدها الذي تزوج زوجة لا تجيد أي عمل سوى التبرج والتغنج، لو سمع كلامها وتزوج ابنة أختها لما كان هذا حاله، فهي ماهرة في الخياطة وكل الأعمال المنزلية، لكن ماذا تفعل وقد ابتلاها الله بهذه الكنة العقربة الغبية التي تغار من ابنتها كثيرًا، وجلبت أمه المقص وقصت البنطال وهي ساخطة على الكنة المكتنزة الجسد الكسول، ثم ارتدت نظارتها الطبية وخاطت حوافه، وأعادته لموضعه، وما هي إلا بضع ساعات حتى لمحت أخته البنطال في موضعه، فشتمت زوجة أخيها في قلبها: لقد جلب لنا بقرة غريبة عنا وعن طباعنا، حتى الأبقار نستفيد من  حليبها وهذه تعلف الطعام دون إنتاج مفيد، ثم قصت البنطال كما طلب منها أخوها ليلة أمس، وتركته في موضعه.
وبينما أمه وأخته منشغلتان بإعداد طعام الفطور، فتحت الزوجة باب غرفتها فرأت البنطال أمامها، وتلبسها الشعور بالذنب والتقصير تجاه زوجها، حدثت نفسها: إن الأمر بسيط جداً لا أعرف لمَِ تقاعستُ بالأمس، ربما لأن غضبي من أخته أفقدني عقلي، لقد شتمتني بالأمس حين سألتني مساعدتها بغسل الصحون فأخبرتها أنني سأذهب لاحضار الصغار من المدرسة، والله لو لم أكن إنسانة فاضلة ذات تربية وأخلاق لشكوتها لزوجي ليقصر لها لسانها السليط الطويل، ثم قصت البنطال وخاطت حوافه، وأعادته لموضعه.
ولم تخبر أي منهما بما فعلت..
استيقظ السيد وطن من نومه متأخراً، وهرع  للذهاب إلى عمله، فتناول فطوره على عجالة، ولم يرَ أيّا من النسوة الثلاث فكل منهن منشغلة بشأنها، وضع بنطاله في كيس صغير وحمله معه، كي يذهب به إلى الخياط بعد انتهاء دوامه في دائرته الحكومية..
واجتمعت الأسرة على مائدة الغداء، فأخبر السيد وطن أهله بأنه ترك بنطاله عند الخياط ليقوم بتقصيره، نقلت الأم نظراتها بين كنتها وابنتها، ولم تنبس أي منهما بكلمة، لامس القلق والتوجس قلوبهن جميعا، برغم أن  أياً منهن لم تدرِ بفعلة الأخرى، فالقلق كان حالة فردية لكل منهن تلك اللحظة لا حالة جماعية توحدهن، فمن يقلق وحده ألتهم الهم قلبه، بينما من يشرح  قلقه لمحيطه لربما انجدوه بحل للمسألة قبل أن تستفحل!.
ارتفع الصياح والصراخ في محل الخياط في اليوم التالي، بعد أن تشوه البنطال، أقسم الخياط أنه قصه بالمقدار الذي حدده له السيد وطن بالضبط، اتهمه الآخر بالكذب وقال له أنت أعمى عليك أن تغلق محلك، استنكر الخياط  العبارة وهو رجل كبير السن في عمر والده لو كان على قيد الحياة، وارتفع الزعيق بينهما، واشتد العراك فلكم أحدهما الآخر، سقط الخياط على الأرض وتكسرت نظارته، وهو يستغيث طالباً النجدة، بينما السيد وطن منفعل ويتملكه الغضب ويواصل كيل الشتائم له، ودارت معركة حامية الوطيس بين الطرفين، رفع فيها الخياط كرسيه الخشبي ورماه بوجه السيد وطن طارداً إياه من المحل، دفع الأخير الكرسي بيديه ليطير ويهشم الواجهة الزجاجية للمحل، وبدورها طارت الشظايا وتناثرت في أرض المعركة، وكانت الحصيلة النهائية شج رأس الخياط الذي فقد وعيه وهو ينزف، واصطبغ وجه السيد وطن بالأزرق، ونزفت شفتاه، واحمرت عيناه وظل يرتجف، وتدخل أهل المحال المجاورة لفك الاشباك الحاصل، ثم وصلت سيارة الإسعاف لنقل الخياط للمشفى، وحققت الشرطة في الواقعة فزجت السيد وطن في السجن لاعتدائه على مواطن بريء، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن دفع تعويضاً للخياط عن الخسائر التي تكبدها في محله، والتوقيع على تعهد بعدم التعرض له ثانية..
وما زال السيد وطن لا يفهم ما الذي حدث لبنطاله، يحدثه قلبه بصدق الخياط ولا يجد لذلك تفسيرا، في حين التزم أهل بيته جميعاً الصمت، بينما الخياط يحدثه قلبه بأنه فعلاً قص البنطال من دون أن ينتبه أكثر من اللازم، فيلوم نفسه كثيراً، ويضع اللائمة على كبر سنه، ولكي يتجنب أي مشاكل مماثلة في المستقبل علق لافتة على واجهة محله: نعتذر عن إصلاح أي بنطال!

وما أن انتهي من هذه الحكاية، سأترك القوم يتجادلون فيها، وأخلي مكاني للساردة القادمة