loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ما لون البرتقالة؟

breakLine

 

سفيان رجب/ كاتب و شاعر تونسي

مرّت المقروئية الإنسانية بثلاث مراحل: المرحلة الأولى، كانت مرحلة المقروئية البدائية، والتي كانت ترتع فيها الدواب الشفاهية المجنّحة، وهي الفترة التي خُلقت فيها كلّ الآلهة، المنقرضة منها، والتي لا تزال تزأر في غاباتها الميتافيزيقية. هذه المقروئية لا تملك سوى الأسئلة. ثمّ جاءت مرحلة المقروئية الشمولية المتسلطة، وهي المقروئية التي هضمت أسئلة المقروئية الأولى، وحوّلتها إلى إجابات جاهزة، وهذه المقروئية لا تملك سوى الأجوبة. ثمّ وصل الإنسان إلى المقروئية الحداثية، تلك التي تقف بين اليقين وبين الشكّ، وتقوم على ميزان السّؤال والجواب، وأنجبت له هذه المقروئية ابنا عظيما، سيغيّر حياته جذريّا، هو الحوار.
الحوار في عمقه ليس ذلك الكلام المتقطّع الذي تتداول عليه السين والجيم، فربّ سين كانت جيما تحمل علامة استفهام، لتهدّد بها المجيب أمامها.
الحوار ليس محاولة فهم، مسلكه التساؤل والاستفسار. إنما هو محاولة ولوج، ومسلكه قرع الذهن بأطراف الأسئلة الخفيفة.
لو سألك أحدٌ ما:
- ما لون البرتقالة؟.
فإن ضحكت من سذاجة سؤاله، فربّما تكون زارع برتقال جيّد، وإن أجبته بجدية: لونها برتقالي، فأنت تصلح لمهمّة تعليب البرتقال، وبيعه، وإن أجبته: لونها أزرق. فستكون شاعرا، أو على الأقلّ تكون قارئا لبول إيلوار. أمّا إذا حدّثته عن الفلاح الذي يزرع البرتقالة، والبائع الذي يعرضها على الرصيف، والشاعر الذي يكتب عنها قصيدة، فإنك تصبح محاورا عظيما. خلاصة هذه الأمثولة العجيبة كبرتقالة زرقاء، إنّ خلل الحوار، لا يكون في الأسئلة، وإنما يكون في الأجوبة. حتى وإن كانت هذه الأسئلة تدرس في السنة الأولى ابتدائي، وتربط بأسهم بين الجزرة والأرنب.
إنّ أعظم الحوارات التي خاضها الإنسان في تاريخه، كانت مع نفسه. الإنسان الذي تربّى في مدارس المقروئية الحداثية، محاور جيّد لنفسه، أمّا الذي تربّى في مدارس المقروئيّة الشمولية، كأغلب المدارس العربية تقريبا، فإنه لا يجيد الإنصات إلى نفسه، ولا يجيد طرح الأسئلة عليها، إنه ينظر إلى نفسه، كحلبة صغيرة بين ملاك وشيطان، وعليه أن يقف في الزاوية التي يلاكم فيها الملاك، ليدعمه بإجابات مطمئنّة، تطيح بالشيطان الموسوس بالأسئلة الشكّاكة التي تحمل سياط النار.
الأسئلة الحييّة الخجولة لا تخرج من بيت الطاعة، وهي لا تصنع سوى إجابات كهنوتية جامدة.

من خُلق أوّلا: البيضة أم الدجاجة؟.
قد يكون هذا السّؤال، من أكثر النكات سخافة في السخرية من جدوى الفلسفة والتفكير في الوجود، لكن كيف تكون اجابتك لو ألقاه عليك سائل ثقيل الدّم. 
هذه أول خميرة استعملها الإنسان للتدجين. الأسئلة التي تخلق السخافة واللاجدوى، علكة العوام التي تجترّها، حين تفرغ أفواهها من الطعام.
"أنا لا أرسمُ للدّجاج"، هكذا أجاب بيكاسو باختصار عن أسئلة الذين حاولوا فهم فنّه، بمقارنته بفنّ الطبيعة.

وأنت كذلك،
لا تجب عن أسئلة الدجاج، 
لا تخلق حوارك في مدجنة.