loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مرآب النهضة

breakLine


محمد جبر حسن || قاص عراقي

 


الظلام حالك جداً.. والهدوء المريب يخيّم على أرجاء المكان، لا يوجد بصيص نور  يجلي  له هذه العتمة..  لم يعرف أين هو؟ هل هو في حلم .. أم أصابهُ شيء ما؟
وبهمس :
يا إلهي ما هذا المكان الخانق .. من أتى بي الى هنا ؟
أسئلة كثيرة تدور برأسه !
كم مرَّ عليَّه من الوقت وهو على هذه الحال؟
ردد مع  نفسه : ربي أسألك وأستعين  بك!!  إيه..  لك الحمد والشكر يارب .
يبدو أن الذاكرة عادت له أخيراً قبل أن يصاب بالجنون :
نعم تذكّر كل شيء وكل لحظة في حياته.. تذكّر قبل شهرين كيف كان ..  متمتع بحياة مريحة، ومقيم بأحد المحال الأوروبية، تغمره السعادة ومستمتع بجو نظيف مع عناية من كل العاملين هناك ..
لغاية ذلك اليوم الذي لا ينساه ابداً عندما رأته تلك الشابة الجميلة التي اقتربت منه منبهرة وأخذته  بيديها، ثم وضعت خدها الناعم على صدره، كانت تبتسم سراً  وتهمس بكلمات مبهمة، ليستقر رأيها على أن تأخذه !!  
كان في حيرة من أمره ..
لماذا أرادت ذلك واختارتني أنا بالذات.. وأنا لا أصلح إلّا للرجال ؟ سأل نفسه بتعجب !!
سريعاً ذهبت به الى البائعة التي وضعت ذراعيّه على بعضها وثنت بقية بطنه على  ظهره  ثم  أَودعتهُ في كيس منمق جميل، وماهي إلّا ساعات قليلة حتى رأى نفسه معلقاً بدولاب ملابس أحد الشباب، عرف لاحقاً إنه  كان ضحية هدية من تلك الفتاة الشقراء لحبيبها المولع باقتناء الملابس ..  وجد العشرات من القمصان والبلوزات معه في هذا الدولاب !
فكّر بهدوء: طبعاً صديقها الشاب لن يرتديني في أول يوم  ولا حتى بعد مرور اسبوع، لكنه اختارني في أول لقاء له مع صديقة أُخرى، أدركت حينها أن هذا الشاب لا يستحقني، كم أكره المخادعين من أمثاله !
سمعَ خطوات صوت .. لاذ بالصمت !
سأتقصد مضايقته وأجعله يشعر بأن قماشي لا يناسب جلده ..
سأجعله يحك ويهرش بجلده طول الوقت، حينها عاد حبيبها الى البيت سريعاً وهو غاضب ووضعني بخانة الملابس القديمة المُعدة لإرسالها لمحال الملابس المستخدمة (بالات) والتي ترسل الى دول الشرق الأوسط ومن ضمنها العراق، كانت رحلتي مايقارب الشهر ما بين تخزين وسفر عبر البحر لحين وصولي الى ميناء البصرة، كنتُ متضايقاً جداً من شدة الحرّ وتراكم القمصان واحداً فوق الآخر بطريقة الكبس والضغط، علاوةً على إنهم رشّوا علينا مادة مطهّرة ذات رائحة قوية جداً أزكمت أنفي وأدخلتني بغيبوبة لم أستفق منها إلّا وأنا بأحد محال  منطقة (الباب الشرقي) المختصة ببيع الملابس المستخدمة .
ثم استدرك شيئا ليقوله خوفا من النسيان،  تذّكر حينما أخذه صاحب المحل ومعه مجموعة من القمصان للغسل اليدوي من قبل إحدى العاملات، أحسَّ من خلال دلكها لياقته وأطراف ردنيه  إنها واهنة وحزينة، حين اختلطت دموعها مع ماء الغسيل  شعر ببعض الدفء.
في اللحظة الراهنة  تمنى أن يبقى بغسيلها أطول فترة ممكنة ولكن هذا لم يحدث، بعدها تم تعليقه على حبل غسيل  في  جو صيفي  حار جداً لم يعتده سابقاً، ومن ثم مددوه على خشبة مسندة على ساقين معدنيين مغطاة بطبقة اسفنج مغلّفة بقماش ملوّن، ليبدأوا معه عملية تعذيب بواسطة مكوى كهربائي حارقاً انحاء جسمه، لم يستطع البكاء أو الصياح فبقي على مضض لحين الانتهاء من التعذيب الذي مارسه عليه هذا الرجلٌ الكهل الذي  كان يردد مع نفسه أغنية قديمة، هذه الأغنية بالذات كانت قد أعجبته. 
في اليوم الثاني أخذ مكانه الجديد معلقا طول الوقت الى جنب مجموعة كبيرة من القمصان التي تنتمي لمختلف الدول الأوربية، بينما صاحب المحل  كان منتظراً أن يبيع الجميع بسعرٍ عال، استمر بالحديث عن نفسه  قائلاً:
بمرور الوقت كان هناك أكثر من زبون يقلبنا ويلبسنا ومن ثم يعيدنا الى مكاننا، لم أكترث  لهم كثيراً، لكن فجأة دخل للمحل شابٌ أسمر نحيل كنت أتمنى أن أكون من نصيبه، أقترب رويداً رويدا وهو يقلب القمصان واحداً بعد الآخر لحين وصوله لي، أمسكني ورفعني أمام عينيه وقرأ العلامة التي  برقبتي، هزَّ رأسه بعلامة الرضا وأخذني للبائع وتفاصل معه حول سعري إلى أن دفع مبلغاً من المال، كنت أحسُّ به فرحاً جداً وهو يتأبطني مسرعاً الى البيت، نادى على أُمه لتراني وتتلمسني ..  حتى سمعتها قالت :
مبارك لك يمّه  حسن ..  لِباس العافية إن شاء الله . 
هذا ما قالته أُمّه ..
حسن؟ الله ما أجمل اسمه.
بعد هذا الدعاء أخذ حسن يرتديني كل يوم، في عملهِ وفي لقاءاته مع أصدقائه، كنت أستمع اليه وأنا سعيد بكل ما يقول ويفعل، كنت أراه شاباً مواظباً وخلوقاً على خلاف الشاب الأوروبي الذي ارتداني أول مرة . 
مرَّ مايقارب الشهر وهو مستمتع بوجودي معه، لا يخرج من البيت إلّا وهو بأبهى صورة، ويتعطّر بأطيب عطر، كانت أُمه كل يوم توصله بالدعوات لحين خروجه من البيت،  وتبقى تنتظره لحين عودته وتحضنه وتقبله بين عينيه، ذلك اليوم الذي بقيت تنتظر مجيئه ولم يأتِ في موعده، كان يوماً حزيناً !  
يومها كان حسن مارّاً بالقرب من مرآب النهضة للمسافرين حين انفجرت إحدى السيارات المفخخة !
يا الهي ..
دوى صوت هزَّ المكان وتناثرت أشلاء الضحايا، في كل مكان أشتعلت النار والدخان غطّى المرآب كله، ووجدت نفسي أحتضن حسن والدماء تسيل منه من كل جانب ..
سمعت لحظتها صوت ينادي :
لا تغسلوا الشهداء ..  كفنوهم  بثيابهم !


(*) مرآب النهضة ..  المرآب الرئيسي في رصافة بغداد لنقل المسافرين من وإلى معظم المحافظات العراقية