loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

منديل

breakLine

 

 

 


 

أغصان الصالح || قاصة عراقية


عندما بلغت الثانية عشرة، طلبت مني والدتي أن أطرّز منديلًا خاصّا (منديل العفّة) يحمل اسمي؛ كانت مهمّة شاقّة جدًّا بالنسبة لي آنذاك، فقد تطلّب مني الأمر وقتًا طويلًا ووخزًا كثيرًا.
عندما انتهيت منه لم يرق لها المنديل، فقالت لي:
- ارميه.. وسأطرّز لك أنا واحدًا أفضل منه.
لكنني لم اتخلّص منه، كان يبدو كجنح دعسوقة نادرة، أبيض، مرصّعًا بعشر نقاط حمراء.
بالأمس، وبينما أنا جالسة خلف النافذة، أراقب سقوط المطر، أقلّب المنديل بين كفَّي، لاحظت أنّ الألوان تزاحمت فيه، فيما اختفت النقاط الحمر؛ ألوانه التي اكتسبها من رحلته الشاقّة معي. من عينيّ أخذ لون الحزن، لأني مسحت به دموعي مرّات عدّة؛ من جبيني أخذ لون التعب الذي اختلط بلون الحنان لأنّي كنت أمسح به فم صغيري من الحليب كلّما أرضعته، وعندما ربطت به كاحلي الملتوي اصطبغ بلون الوجع.
أمّا لون الصمت فكان بارزًا، لأنّي أطبقت عليه أسناني بقسوة في كلّ مرة يصعب على الكلام؛ ومن وجنتي اكتسب لون الخجل، وطبع الشوق عليه راحة يدي؛ لكنّه سرق لون الحب من قلبي عندما خبّأته بالقرب منه في أحد الأيام. ثم امتزج لونا الحضور والغياب على أطرافه، لأنّي مسحت به آثار أقدام أطفال.. نساء.. رجال.. من على عتبة الباب.. ألوان عديدة بمشاعر عديدة ملأت منديلي هذا.
أمّا حينما مسحت به الضباب الذي على نافذتي امتلأ بلون الأمل؛ فرحت، ولم أودّ أن يزاحمه لون آخر، لذلك قرّرت ألّا أستخدمه مرّة أخرى.
أخرجت الصندوق الذي حفظت فيه منديل عفتي.. ووضعت الآخر بدلًا عنه.